تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في وتيرة محاكمات يصفها ناشطون وحقوقيون بأنها تفتقر إلى الأسس القانونية السليمة، وتُجرى في ظل بيئة استثنائية تحكمها قرارات الطوارئ وتداخل السلطات. ويأتي ذلك وسط مخاوف متزايدة من تقويض سيادة القانون، وتحويل الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة بورتسودان إلى أدوات تتجاوز اختصاصاتها على حساب المؤسسات العدلية الرسمية.
ويؤكد مراقبون أن النظام العدلي يقوم على تسلسل واضح يبدأ بإجراءات القبض والتحري عبر الشرطة، تحت إشراف النيابة العامة، وصولًا إلى المحاكمة أمام قضاء مستقل. غير أن ما يجري حاليًا، وفق شهادات متطابقة، يشير إلى تجاوز هذا المسار، عبر منح جهات أمنية صلاحيات الاعتقال والتحقيق، بل والتأثير على مجريات المحاكمة، دون سند قانوني دائم.
وتبرز قضية الطبيب الصيدلاني أحمد شفا في مدينة دنقلا شمالي السودان كإحدى أبرز الحالات المثيرة للجدل، إذ يواجه محاكمة على خلفية نقاش دار داخل صيدليته الخاصة، ما أثار موجة استنكار واسعة، باعتبار القضية انتهاكًا صريحًا لحرية التعبير. ومن المقرر النطق بالحكم اليوم، 15 أبريل 2026، وسط حالة من الترقب والقلق.
وبحسب متابعات محلية، وصلت الاتهامات الموجهة إليه إلى حد تحميله مسؤولية “سقوط مدينة الفاشر”، وهو ما اعتبره حقوقيون اتهامًا يفتقر إلى المنطق القانوني والواقعي، ويعكس اتجاهًا نحو تجريم الآراء السياسية المخالفة. كما حذروا من أن ربط المواقف النقدية تجاه الحرب أو بعض التشكيلات المسلحة بتهم جنائية خطيرة يمثل سابقة مقلقة في المشهد العدلي.
وفي السياق ذاته، يلفت ناشطون إلى ما يصفونه بتسييس العدالة، حيث يمكن، وفق رأيهم، استغلال ما يُعرف بـ“الخلايا الأمنية” لتصفية حسابات شخصية أو سياسية. ويؤكدون أن هذه الممارسات تفتح الباب أمام الفوضى، وتُفقد الدولة هيبتها حين تُنتزع صلاحيات القضاء وتُمنح لأجهزة استثنائية نشأت في ظروف الطوارئ.
ولا تقف المخاوف عند حدود المحاكمات، بل تمتد إلى سلوك بعض المجموعات المسلحة أو المساندة للقوات النظامية، التي يُتهم بعضها بتنفيذ مداهمات واعتقالات خارج إطار القانون. وقد أفاد مواطنون بوقوع اقتحامات لمنازل في ساعات متأخرة من الليل، ما يعزز الشعور بانعدام الأمان، ويطرح تساؤلات حول الجهة المخولة قانونًا بمثل هذه الإجراءات.
ويرى محللون أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى نتائج خطيرة، أبرزها تنامي ظاهرة التسلح المجتمعي، حيث قد تلجأ مجموعات محلية أو جهوية إلى تشكيل كيانات مسلحة لحماية نفسها في ظل تراجع الثقة في مؤسسات الدولة. ويحذرون من أن ذلك قد يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، خاصة في مناطق متعددة الأعراق والثقافات مثل الولاية الشمالية.
وفي المقابل، يوجه بعض الناشطين انتقادات لقيادات مجتمعية، خاصة في المناطق النوبية، معتبرين أنها لم تلعب دورًا كافيًا في احتواء الأزمات بالحكمة والتفاهم. ويشيرون إلى أن قضايا مثل قضية الدكتور شفا كان يمكن احتواؤها عبر الحوار المجتمعي، بما يحفظ كرامة الأطراف ويمنع تصعيد الخلافات إلى ساحات القضاء.
وفي ولاية القضارف، أعلنت لجان المقاومة إطلاق سراح أحد أعضائها بعد اعتقال دام أكثر من 90 يومًا، وُصف بأنه تعسفي واستند إلى اتهامات “ملفقة”. وطالبت اللجان بإطلاق سراح جميع المعتقلين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدة أن “الحرية حق وليست منحة”.
وتجمع هذه الوقائع، وفق متابعين، على ضرورة إعادة الاعتبار للمؤسسات العدلية، وضمان استقلالها الكامل عن أي تأثيرات سياسية أو أمنية، مع الالتزام بالمعايير القانونية في جميع مراحل الإجراءات، من لحظة الاعتقال وحتى صدور الأحكام.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال مطروحًا: هل تستعيد المؤسسات العدلية دورها الطبيعي، أم يستمر العمل بالاستثناءات التي تهدد أسس الدولة القانونية؟ الإجابة، كما يرى كثيرون، مرهونة بقدرة الفاعلين على تغليب صوت القانون على حساب القوة، والحكمة على حساب التصعيد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.