مصر بين السودان وإثيوبيا.. ازدواجية المعايير وصراع المصالح

✍️النور آدم سلمان

ليس من السهل قراءة الموقف المصري من السودان بمعزل عن موقفها من إثيوبيا، فالبلدان ليسا ملفين منفصلين في الحسابات المصرية؛ إذ يقع السودان على الحدود الجنوبية لمصر، بينما تتحكم إثيوبيا في جزء أساسي من معادلة مياه النيل. وبين الخرطوم وأديس أبابا، تتقاطع الحدود والمصالح والأزمات، مع حسابات القاهرة المتعلقة بالأمن والمياه والنفوذ الإقليمي.

لهذا، تبدو الحرب في السودان والصراعات في إثيوبيا، رغم اختلاف أسبابها، جزءاً من مسرح إقليمي واحد.

في السودان، تعلن القاهرة دعمها لوحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها، وتؤكد أن الحل يجب أن يحافظ على مؤسسات الدولة السودانية. ويرتبط هذا الموقف بطبيعة العلاقات التاريخية والجغرافية بين البلدين، وبالنظر إلى السودان باعتباره امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.

لكن عند الانتقال إلى إثيوبيا، تظهر زاوية أخرى من المشهد.

فمع تجدد القتال في شمال إثيوبيا، اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية مصر والسودان بدعم قوى مسلحة تواجه الحكومة الفيدرالية. ونفت القاهرة هذه الاتهامات، مؤكدة أن سياستها تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما نفت الخرطوم الاتهامات الإثيوبية.

وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي تستحق النقاش.

تؤكد مصر في السودان أن الدولة يجب أن تبقى، وأن مؤسساتها ينبغي أن تُحفظ، وأن الحل لا ينبغي أن يؤدي إلى تفكيك الدولة.

في المقابل، تتهم إثيوبيا أطرافاً خارجية بالتدخل في شؤونها الداخلية، عبر دعم قوى مسلحة تناوئ الحكومة الفيدرالية، وتضع مصر والسودان ضمن دائرة الاتهام.

ومرة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن الاتهامات الإثيوبية لا تشكل دليلاً بحد ذاتها، ولا تتوافر في المصادر العلنية التي جرت مراجعتها أدلة مستقلة وحاسمة تثبت هذه المزاعم. غير أن مجرد تبادل هذه الاتهامات يكشف عن مدى انتقال الصراعات من حدود الدول إلى شبكة إقليمية متشابكة.

## السودان وإثيوبيا: صراعان متداخلان

الأكثر إثارة أن الخرطوم وأديس أبابا تتبادلان الاتهامات أيضاً.

تتهم إثيوبيا السودان بدعم قوى مسلحة داخل أراضيها، بينما يتهم السودان إثيوبيا بالسماح بتدريب قوات أو دعمها، بما يمكّنها من القتال ضد الجيش السوداني انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية. وينفي كل طرف اتهامات الطرف الآخر.

وهكذا، يصبح السودان جزءاً من الحسابات الإثيوبية، وتصبح إثيوبيا جزءاً من الحسابات السودانية، بينما تدخل مصر على خط هذه المعادلة، بفعل علاقتها بالسودان وخلافها الاستراتيجي مع إثيوبيا بشأن مياه النيل وسد النهضة.

وهنا تكتمل الصورة.

فالحرب في السودان ليست بعيدة عن أزمة إثيوبيا، كما أن الصراع الإثيوبي لا ينفصل عن الحسابات السودانية، ويرتبط البلدان بصورة مباشرة بالمصالح المصرية في النيل والحدود والأمن الإقليمي.

من السودان إلى النيل

ربما تكون هذه النقطة الأهم لفهم الموقف المصري.

فالسودان بالنسبة إلى مصر ليس مجرد دولة جارة، بل يقع في قلب منظومة النيل والأمن الحدودي المصري.

أما إثيوبيا، فليست مجرد دولة منبع، بل هي الدولة التي أقامت سد النهضة، وهو الملف الذي يمثل أحد أبرز مصادر التوتر بين القاهرة وأديس أبابا منذ أكثر من عقد. وتؤكد مصر والسودان ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملء السد وتشغيله، في حين ترفض إثيوبيا ما تعتبره قيوداً على حقها في استخدام مواردها المائية.

لذلك، فإن ضعف مؤسسات الدولة السودانية أو اتساع رقعة الحرب داخل البلاد لا تقتصر تداعياته على الخرطوم وحدها.

وبالمثل، فإن تصاعد الصراع داخل إثيوبيا لا تتوقف آثاره عند أديس أبابا.

فالحدود والنيل والحرب والنفوذ الإقليمي، كلها مسارات متصلة تؤثر بعضها في بعض.

## وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً

إذا كانت القاهرة ترى أن حماية مؤسسات الدولة السودانية ضرورة إقليمية، فهل ينبغي أن يكون احترام مؤسسات الدولة الإثيوبية المبدأ ذاته؟

وإذا كانت القاهرة تنفي التدخل في الشأن الإثيوبي، فهل يمكنها إقناع دول المنطقة بأن مواقفها تجاه السودان وإثيوبيا تنطلق من معيار واحد؟

ليس المطلوب أن تتخلى مصر عن مصالحها، فهذا أمر غير منطقي في العلاقات الدولية.

لكن المطلوب هو الالتزام بثبات المعايير، لأن المشكلة لا تبدأ عندما تختلف الدول في مصالحها، بل عندما تطرح دولة مبدأً باعتباره قاعدة عامة، ثم يبدو تطبيقها له مختلفاً باختلاف الدولة أو الخصم أو موقعها من المعادلة.

## المفارقة السودانية

وهنا لا تقع المسؤولية على القاهرة وحدها.

فحتى داخل السودان، توجد أصوات تتعامل مع القضايا الإقليمية بمعايير مختلفة. فقد يكون الشخص شديد الحساسية تجاه أي دعم خارجي لقوى مسلحة داخل السودان، لكنه أكثر تساهلاً عندما يتعلق الأمر بقوى مسلحة في دولة أخرى.

وقد يدافع آخر عن مؤسسات الدولة السودانية، ثم يتبنى تفسيراً مختلفاً للصراع في إثيوبيا، وفقاً لموقفه السياسي ومصالحه.

وهذا يفتح سؤالاً يتجاوز مصر والسودان وإثيوبيا:

هل ندافع عن مبدأ الدولة وسيادتها، أم ندافع عنها فقط عندما تتوافق مع مصالحنا السياسية؟

## في النهاية

السودان وإثيوبيا ليسا ملفين منفصلين في الحسابات المصرية، بل دولتان متجاورتان في منطقة واحدة، يجمعهما النيل، وتربطهما الحدود والمصالح الأمنية، وتؤثر أزمات كل منهما في الأخرى.

ولهذا، فإن قراءة الدور المصري في السودان من دون النظر إلى إثيوبيا تظل قراءة ناقصة.

قد تكون لمصر حساباتها الأمنية والمائية المشروعة، وقد تكون الاتهامات الإثيوبية جزءاً من صراع سياسي وإقليمي أوسع، لكن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحاً هو:

إذا كانت سيادة الدولة واستقرار مؤسساتها مبدأً، فلماذا يبدو تفسير هذا المبدأ مختلفاً من الخرطوم إلى أديس أبابا؟

ربما تكون الإجابة بسيطة في جوهرها؛ فالدول لا تتحرك بالمبادئ وحدها، بل تحكمها المصالح أيضاً. لكن عندما تتحدث السياسة بلغة المبادئ، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: هل المبدأ ثابت، أم أن الجغرافيا هي التي تحدد معناه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.