الظلم في بلادي يُوزَّع على قدر مقاومته

عبد الله عيسى كتر عابد

ما يفقع المرارة في بلادي السودان، منذ تكوينه وحتى يومنا هذا، أن الظلم فيها لا يُوزَّع بالتساوي، وإنما يُوزَّع ـ في كثير من الأحيان ـ على قدر مقاومته.
كلما كنت صادقاً في موقفك، شجاعاً في قولك، رافضاً للخطأ، كان نصيبك من الظلم أكبر.
وكلما أتقنت فن الانحناء، وأجدت «مسح البلاط» و«كسير التلج»، وقلت للحاكم ما يحب أن يسمعه، وللمسؤول ما يطرب له، وللقيادة إنك على حق حتى وأنت تعرف أنها مخطئة، فتحت لك الأبواب، وقُرّبت منك المسافات، وأصبحت من أهل الحظوة.
وهنا تبدأ الحكاية!
حيران السلطة… وأمبدادي السياسة
منذ أن عرف السودان السلطة والسياسة، ظل حول كل حاكم تقريباً جيش من الحيران والأتباع وأصحاب «أمبدادي السياسة».
يتغير النظام، وتتغير الشعارات، وتتبدل الوجوه، لكن الحكاية نفسها تعود.
ماسحو البلاط وكسّارو التلج هم أكثر الناس قدرة على الوصول إلى الحاكم، لأنهم لا يحملون إليه الحقيقة، وإنما يحملون إليه ما يحب أن يسمعه.
وقد رسّخنا نحن السودانيين مثلاً شعبياً بليغاً يقول:
«إذن الحاكم تسمع الكلام الحلو»!
والمشكلة أن هذه المسألة لم تعد حكراً على الحكام التنفيذيين أو التشريعيين.
لقد دخلت إلى الأحزاب، والتنظيمات، والأجسام الثورية والمدنية، ووصلت حتى إلى بعض شيوخ الدين وزعماء العشائر.
تجد حول القائد حواريين يصفقون له، لا لأن كل ما يقوله صحيح، ولكن لأنه هو القائد.
فإذا أخطأ قالوا: أصاب.
وإذا أخفق قالوا: الظروف.
وإذا فشل قالوا: المؤامرة.
وإذا اعترض أحدهم قالوا: هذا يشق الصف!
وهكذا يتحول التصفيق من سلوك فردي إلى ثقافة سياسية كاملة.
حين يصبح الناصح خطراً
المصيبة الكبرى ليست في أن يخطئ المسؤول.
فالخطأ طبيعة بشرية.
والمصيبة ليست حتى في أن يفشل القائد.
فالفشل يمكن أن يكون درساً.
لكن المصيبة أن يصبح حوله من يمنع عنه الحقيقة، ويزين له الخطأ، ويغلق في وجهه كل صوت مخالف.
عندها لا يعود القائد يرى الواقع كما هو، وإنما يراه من خلال عيون حوارييه.
وهذا الأمر لم يتوقف عند السياسة.
حتى الوظيفة العامة لم تسلم منه.
هناك «حواري المدير»، و«حواري الوزير»، و«حواري المسؤول»، الذي قد يصبح أحياناً أقوى من صاحب الاختصاص نفسه.
يسد الطريق أمام رأي العالم، ويحجب نصيحة الخبير، ويمنع صوت صاحب التجربة، فقط لأن هذا الصوت لا ينسجم مع ما يريد أن يسمعه المسؤول.
وهكذا يصبح الجهل محمياً، والخطأ محروساً، والنصيحة متهمة، والخبرة مهمشة.
فكيف لبلد أن يتقدم إذا كان الذين يقولون الحقيقة هم أول من يُعاقب، والذين يجيدون تزيين الخطأ هم أول من يُكافأ؟
الوضوح… جريمة في عرف أصحاب المصالح
من واقع التجربة، ومن تجارب بعض الأصدقاء، كثيراً ما نسمع من يحذرنا من الوضوح.
يقول لك:
لا تدخل في مواجهة.
لا تقل كل ما تعرف.
لا تكن حاداً في موقفك.
لا تنتقد فلاناً.
احسبها صح!
لأن المواجهة قد تكون سداً منيعاً أمام رزقك.
وكأن الرزق بيد المسؤول، لا بيد الله!
وكأن الوظيفة هي التي تطعم الإنسان، لا الله!
وكأن علينا أن نبيع مواقفنا حتى نشتري خبز يومنا.
وينسون أن لنا رباً أمرنا أن نعبده، وهو الطاعم والرازق.
والإنسان الذي يبيع ضميره من أجل مصلحة مؤقتة، قد يكسب المصلحة، لكنه يخسر شيئاً أكبر منها بكثير: نفسه.
وما أقسى أن يعيش الإنسان آمناً على راتبه، خائفاً على ضميره!
لماذا يُظلم الصادق؟
وهنا تتزاحم الأسئلة في ذاكرتي:
ألم يكن من أسباب تخلف بلادنا حيران السلطة، وأمبدادي السياسة، وإعلام المقاطعة، وأصحاب «أعطِ البياض»؟
ألم يكن من أسباب خرابنا أن المسؤول يسمع من يمدحه أكثر مما يسمع من ينصحه؟
لماذا يتجرع السوداني الصادق في موقفه الظلم، حتى من داخل تنظيمه وحزبه ورفاقه، فقط لأنه رفض أن يسكت؟
لماذا يصبح صاحب الموقف عبئاً على الجماعة، بينما يصبح صاحب الوجهين «زولاً فاهم اللعبة»؟
هل نحن شعب يحب المنافقين؟
هل أصبحنا ـ والعياذ بالله ـ شعب كل حكومة؟
مع كل نظام جديد، هناك من يغير جلده، ويبدل خطابه، ويعيد تعريف مبادئه بما يناسب السلطة الجديدة.
والغريب أن بعض هؤلاء لا يخجلون من ماضيهم؛ لأنهم يعرفون أن الذاكرة السياسية عندنا قصيرة، وأن «الحاضر» دائماً قادر على غسل «الماضي».
المنافق أخطر من الخصم
والسؤال هنا ليس سؤالاً عابراً:
ألم يكن الكفار أفضل درجة من المنافقين؟
فالخصم الواضح تعرف موقفه.
تعرف أنه ضدك.
وتعرف كيف تتعامل معه.
أما المنافق، فهو يجلس بجانبك، ويبتسم في وجهك، ويصفق لك، ثم يطعنك عندما تدير ظهرك.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي سلطة، أو حزب، أو تنظيم، أو مجتمع، ليس وجود المعارضين، وإنما غياب الصادقين.
فالاختلاف ليس عيباً.
والنقد ليس خيانة.
وقول «لا» ليس جريمة.
والمواجهة الصادقة ليست خروجاً على الجماعة.
إنما الخطر الحقيقي أن يتحول الجميع إلى «نعمجية»، وأن يصبح قول الحقيقة نوعاً من التهور، وأن يصبح السكوت حكمة، والنفاق سياسة، والمصلحة مبدأ.
السودان لا يحتاج مزيداً من المصفقين
نحن في السودان لا ينقصنا من يصفق.
ولا ينقصنا من يمدح.
ولا ينقصنا من يجيد الكلام الحلو.
ما ينقصنا هو من يقول للحاكم:
أخطأت.
وللقائد:
هذا الطريق خاطئ.
وللمسؤول:
هناك من هو أعلم منك.
وللحزب:
أنتم انحرفتم عن الطريق.
وللصديق:
أنا أحبك، ولذلك لن أجامل خطأك.
فالوطن لا يبنى بالتصفيق.
ولا تنهض الدولة بالمجاملات.
ولا تصلح الأحزاب بالحيران.
ولا تحمي الثورات كسّاري التلج.
إنما تنهض البلاد عندما يصبح الصادق آمناً على صدقه، والشجاع آمناً على موقفه، والناصح قريباً من صاحب القرار، لا مطارداً بسببه.
فالظلم في بلادي لا ينبغي أن يُوزَّع على قدر مقاومتنا له.
وإذا كان لنا أن نختلف، فلنختلف بشرف.
وإذا كان لنا أن نخطئ، فلنملك شجاعة الاعتراف.
وإذا كان لنا أن نحكم، فلنحط أنفسنا بمن يقولون الحقيقة، لا بمن يجيدون الكلام الحلو.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الحيران.
السودان يحتاج إلى رجال ونساء أحرار… لا يبيعون مواقفهم، ولا يعبدون الأشخاص، ولا يخافون في الحق لومة لائم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.