نتمناه موحداً.. أنقذوا السودان قبل أن نفقده كله

بقلم: يوسف عزالدين

 

 

 

كفاية تقسيم.. كفاية فرقة.. كفاية دم.

 

ألم يكفنا أن الجنوب قد انفصل؟ ألم نتعلم من ذلك الجرح الذي لم يندمل حتى اليوم؟ ذهب الجنوب بثلث مساحة بلادنا ونصف ثروتها النفطية، وترك في نفوسنا غصة تقول: من فرّط في أخيه، فرّط في نفسه.

 

واليوم، ونحن لم نضمد جراح انفصال الجنوب، يُفتح جرح جديد في غرب السودان. فالغرب اليوم يسير على خطى الجنوب، حذو النعل بالنعل؛ الخطاب ذاته، والتهميش نفسه، ولغة الكراهية ذاتها، والدم الذي لا يتوقف.

 

فهل ننتظر حتى يُرفع علم جديد، ثم نبكي مرة أخرى على وطن ونشيد كنا نحفظهما؟

 

لا بد من إيقاف هذا النزيف في جسد السودان، ذلك البلد الذي كان يُوصف بسلة غذاء العالم، وأصبح اليوم جسداً ممزقاً، يريد كل عضو فيه الانفصال عن الآخر.

 

نسأل الساسة: ماذا كسبتم من التقسيم؟

 

قسّمتم الجنوب، فهل ارتحتم؟ هل اغتنى الشمال بعد الانفصال؟ هل توقف الفساد؟ هل انتهت الحروب؟

 

لا، بل ازداد الفقر، وتفاقمت الحروب، وخسرنا جزءاً عزيزاً من وطننا. وها أنتم اليوم تواجهون خطر تكرار التجربة ذاتها في دارفور وجبال النوبة والشرق.

 

التقسيم ليس حلاً، بل هو تعبير عن الفشل في إدارة التنوع. فالدول العظيمة لا تخشى التنوع، بل تديره بالقانون والعدالة، أما الفاشلون فيلجأون إلى التقسيم للتخلص من الأصوات التي تطالب بحقوقها.

 

ونقول للمواطن: إلى متى ستصفق لمن يقسم وطنك؟

 

يا من تحمل السلاح ضد أخيك باسم القبيلة، ماذا جنيت من هذه الحرب؟ هل مات ابن الوزير في ساحات القتال؟ وهل نزح ابن الجنرال إلى معسكرات اللجوء؟ لا، بل أنت من يموت، وأنت من ينزح، وابنك هو من يفقد مدرسته ومستقبله.

 

السياسيون يتصالحون في فنادق الخارج، ويتركونك لتقاتل أخاك في الداخل. انتبه، فالوطن الذي تخسره اليوم لن تعوضه غداً.

 

هل ما يحدث في السودان قدر لا مفر منه، أم أنه نتيجة حملات ممنهجة تقف وراءها دول كبرى؟

 

أقولها بلا مواربة: الأمر قد يكون نتاجاً لتداخل العاملين معاً.

 

نعم، هناك دول كبرى قد لا ترغب في رؤية سودان موحد وقوي، لما يمتلكه من إمكانات زراعية وثروات طبيعية وموارد بشرية وموقع استراتيجي يجعله بوابة مهمة نحو أفريقيا.

 

وما أسهل أن تُزرع الفتنة بيننا عبر أطراف داخلية، وأن تُستغل الانقسامات لتحقيق مصالح خارجية. فسياسة «فرّق تسد» لم تمت، بل لا تزال حاضرة في صراعات النفوذ، حيث تُستغل الانقسامات، وتُغذّى الكراهية، وتُؤجج الخلافات بين المكونات الاجتماعية.

 

لكن، والحق يُقال، إن العيب لا يكمن في المؤامرات الخارجية وحدها، بل فينا نحن أيضاً.

 

فقد فشلنا في بناء دولة المواطنة، وأقمنا بدلاً منها دولة القبيلة والحزب، ولم نؤسس دولة القانون التي تحمي الجميع على قدم المساواة.

 

وعندما يغيب العدل، يصبح الانفصال حلماً، وتتحول المطالبة بالحقوق إلى صراع على البقاء.

 

السودان لا يحتمل تقسيماً جديداً. فتقسيم دارفور قد يفتح الباب أمام مطالب انفصالية في الشرق ومناطق أخرى، لنجد أنفسنا أمام دويلات قبلية متناحرة، يتقاتل أهلها على بئر ماء، بينما تتقاسم الأطراف الخارجية ثرواتنا من الذهب والنفط وغيرها من الموارد.

 

الحل ليس في الانفصال، بل في الاعتراف بالمظالم ومعالجتها من جذورها.

 

اعترفوا بأن جميع السودانيين عانوا من التهميش والظلم في ظل دولة المركز الفاشلة، وأن بناء وطن موحد يتطلب إقامة نظام حكم فدرالي حقيقي، وتحقيق العدالة، وضمان التقاسم العادل للسلطة والثروة، وبناء جيش وطني واحد، بعيداً عن الولاءات القبلية والحزبية.

 

إن وحدة السودان لا تتحقق بالشعارات، ولا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالعدالة والمساواة، واحترام التنوع، وضمان الحقوق، وإرساء دولة المواطنة التي يشعر فيها كل سوداني بأنه شريك في وطنه، لا تابع فيه ولا مهمش.

 

نتمناك موحداً..

 

يوم ما نلقى خيرك على غيرك مقسّم..

وأنت كمان مقسّم.

 

نتمناك موحد بي نيلك موسم،

مليون ميل مربع،

تكتب.. تقرأ.. ترسم.

 

نتمناك موحداً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.