لم تكن استقالة القيادي بالحركة الإسلامية أبوبكر محمد الصافي «شبو» من رئاسة تجمع السودانيين بالخارج «صدى» مجرد إجراء إداري عابر، كما لم يكن نصها الطويل خطاب وداع تقليدياً. فقد جاءت الاستقالة محملة باتهامات قاسية، وكشفت عن خلافات داخل أجنحة الحركة الإسلامية التي يقول شبو إنه واقف في صفها دفاعاً عن الجيش والدولة، قبل أن يعود إلى الموقع ذاته بعد أسابيع، في مفارقة تكشف حجم التناقضات والصراعات داخل معسكر الإسلاميين.
في 18 مايو 2026، أعلن شبو مغادرته رئاسة «صدى» بعد نحو ثلاثة أعوام على رأس التجمع، لكنه بدلاً من الاكتفاء بإعلان الاستقالة، قدم ما يشبه كشف حساب سياسي لما قال إنه تعرض له داخل الدائرة التي كان يفترض أنها الأقرب إليه.
لم يتحدث شبو عن خصوم سياسيين من خارج معسكره، بل وجّه حديثه إلى «بعض الإخوان» الذين قال إنهم كانوا في «ذات الصف» الذي وقف فيه دفاعاً عن الجيش والدولة.
وقال إن هؤلاء تحولوا من شركاء في الصف نفسه إلى أطراف تسعى إلى «الإهلاك والإقصاء وكسر العظم».
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
إذا كانت الحركة الإسلامية التي تتحدث كل التقارير الصحفية عن أنها أشعلت الحرب قد خاضت، بحسب «شبو»، معركته دفاعاً عن الجيش والدولة، فلماذا انتهى به الأمر إلى التفكك والصراع والانقسام إلى تيارات تتحكم فيها شخصيات ضمن أجنحة متعددة، مثل تيارات «نافع وكرتي ومحمد عطا وهارون»؟
من هم هؤلاء؟
ولماذا لم يسمِّهم؟
وما الذي حدث داخل «صدى» حتى يتحول الخلاف إلى ما وصفه الرجل بـ«كسر العظم»؟
الاستقالة لم تقدم إجابات، لكنها كشفت عن أزمة ثقة داخل صفوف الحركة الإسلامية في الداخل والخارج. فشبو يقول إنه رأى ممارسات الإقصاء «بأم عينيه»، وإن الخلاف لم يعد اختلافاً سياسياً أو تنظيمياً، بل تحول إلى محاولة لإضعافه وإبعاده، حتى أصبح يخشى أن يتحول بقاؤه في موقعه إلى مصدر أذى لمن يعملون معه.
وبحسب روايته، بلغ الأمر حداً شعر معه بأنه قد يتحول إلى «نسخة أخرى» مما كان يرفضه ويقاومه.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاوزها.
كيف لتنظيم الحركة الإسلامية «الإخوان» الذي يتولى، ويزعم، رفع شعارات الدولة والمؤسسات والشورى، أن تتحول خلافاته الداخلية إلى معركة تستخدم فيها عبارات مثل «الإهلاك» و«الإقصاء» و«كسر العظم»؟
وهل تكون الدولة فعلاً هي القضية، أم تتحول في بعض اللحظات إلى عنوان كبير يخفي تحته صراعات أصغر على المواقع والنفوذ والتمثيل؟
الأكثر إحراجاً أن شبو لم يبتعد طويلاً.
فبعد قرار مجلس الشورى في «صدى» الذي دعاه إلى مواصلة مهامه، أعلن تراجعه عن الاستقالة واستمراره في رئاسة التجمع حتى انعقاد المؤتمر العام.
وهنا يصبح التناقض أكثر وضوحاً.
الرجل الذي قال إن «السيل بلغ الزبى»، وإن «المصاب كبير»، وإن بيئته أصبحت تمارس الإقصاء و«كسر العظم»، عاد إلى المؤسسة نفسها وإلى الموقع نفسه.
قد يكون احترام قرار الشورى تفسيراً كافياً للعودة من وجهة نظر شبو، لكنه لا يلغي الأسئلة التي فجرتها استقالته.
إذا كانت الأزمة بهذه الخطورة، فأين ذهبت الاتهامات؟
ومن يتحمل مسؤولية ما وصفه بالمكائد والإقصاء؟
وهل انتهى الصراع فعلاً، أم أن العودة كانت مجرد تسوية أبقت الأزمة تحت السطح؟
هذه ليست أسئلة هامشية، لأن الحركة الإسلامية نفسها ظلت تقدم خطاباً يقوم على الدولة والمؤسسات والانضباط والشورى. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح هذه المبادئ قوية في مواجهة الخصوم، ومرنة عندما يتعلق الأمر بالصراعات داخل الصف.
فالدولة لا يمكن أن تكون شعاراً سياسياً يُرفع في وجه الآخرين، ثم تتحول قضايا السلطة والنفوذ داخل التنظيم إلى ملفات مغلقة.
والشورى لا ينبغي أن تكون مجرد آلية لإنقاذ المواقع القيادية، بينما تبقى أسباب الاستقالة والاتهامات التي سبقتها بلا تحقيق أو توضيح.
شبو نفسه وضع هذه المفارقة في قلب المشهد عندما قال: «قاتلنا لأجل الدولة.. لا لأجل الرجال».
لكن عبارته تفرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: إذا كانت المعركة فعلاً من أجل الدولة، فلماذا يتحول الخلاف بين من يقولون إنهم يقاتلون من أجلها إلى حديث عن الإهلاك والإقصاء وكسر العظم؟
وأي دولة هذه التي يعجز أنصارها عن إدارة خلافاتهم الداخلية دون أن تتحول المنافسة السياسية إلى معركة على الأشخاص والمواقع؟
بل إن شبو ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن «خطاب المظلومية» و«خرافة الجلابي»، وربط ما تعرض له، بحسب روايته، بحقد ومكائد ومحاولات للإضرار به.
وهذا يكشف أن الصراع لا يتعلق بالمناصب وحدها، وإنما يمتد إلى أسئلة الهوية والانتماء والتصورات الاجتماعية والسياسية التي ظلت حاضرة في المشهد الإسلامي السوداني.
لكن بدلاً من مواجهة هذه القضايا بشفافية، يظل الخطاب السياسي الإسلامي أسير شعارات كبيرة من قبيل «المشروع» و«الدولة» و«القضية»، بينما تظل الأسئلة الأصعب حول السلطة والنفوذ ومراكز القرار بلا إجابات واضحة.
الحرب الحالية زادت تعقيد المشهد.
فهي لم تُعِد ترتيب العلاقة بين الحركة الإسلامية والجيش فحسب، وإنما أعادت أيضاً توزيع النفوذ داخل التيارات المنخرطة في حرب 15 أبريل إلى جانب الجيش، وعززت قواها وواجهاتها السياسية والمجتمعية التي تسعى إلى تمثيلها في الداخل والخارج.
وفي مثل هذه البيئة، لا تعود المواقع التنظيمية مجرد مناصب إدارية، بل تتحول إلى أدوات نفوذ وتمثيل وتأثير.
ومن هنا تبدو استقالة شبو أكبر من خلاف داخل مؤسسة واحدة.
إنها قد تكون مؤشراً على أزمة أوسع داخل أجنحة الحركة الإسلامية التي تحاول الظهور أمام السودانيين باعتبارها كتلة متماسكة، بينما تكشف لغتها الداخلية عن خلافات حادة حول القيادة والنفوذ داخل الجيش والتمثيل الداخلي والخارجي.
لكن هل يعني ذلك وجود «تصفيات» داخل الحركة الإسلامية؟
لا يقدم نص شبو وحده دليلاً كافياً لإثبات وجود تصفيات منظمة، ولا ينبغي تحويل عباراته إلى حقيقة لم تثبتها وقائع مستقلة.
لكن المؤكد أن اللغة التي استخدمها ليست لغة خلاف إداري بسيط.
«الإهلاك».
«الإقصاء».
«كسر العظم».
هذه مفردات ثقيلة اختارها شبو بنفسه، وتكشف، وفق روايته، عن مستوى مرتفع من الاحتقان داخل المعسكر الذي كان جزءاً منه.
والسؤال الأهم ليس فقط: لماذا استقال شبو؟
بل: لماذا شعر أصلاً بأن الاستقالة هي المخرج؟
ولماذا عاد؟
ومن الذي أقنعه بالعودة؟
وهل عادت معه التسوية، أم عادت معها الأزمة نفسها؟
حتى الآن، لا توجد إجابات علنية كافية.
شبو ترك وراءه رواية ناقصة: اتهم أطرافاً لم يسمها، تحدث عن خفايا قال إنه لا يستطيع كشفها، أعلن أن «السيل بلغ الزبى»، ثم عاد إلى الموقع الذي غادره.
وهذه ليست مشكلة شبو وحده.
إنها مشكلة خطاب سياسي كامل للحركة الإسلامية.
فإذا كان هناك ظلم، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعته.
وإذا كان هناك إقصاء، فمن حق أعضاء المؤسسة معرفة من يقف وراءه.
وإذا كانت هناك مكائد، فلا يكفي الحديث عنها في استقالة غاضبة ثم العودة إلى الموقع وكأن شيئاً لم يحدث.
الدولة ليست ملكاً لتنظيم سياسي يتسلط على الجيش ويستخدمه أداةً لتصفية الحسابات التنظيمية، كما لا ينبغي أن تتحول كلمة «الشهداء» إلى غطاء أخلاقي لصراعات النفوذ داخل الجيش لأكثر من ثلاثة عقود.
وإذا كان شبو يقول إنه «قاتل لأجل الدولة لا لأجل الرجال»، فإن استقالته تفرض سؤالاً أوسع على الحركة الإسلامية: هل تستطيع هذه الحركة الإسلامية فعلاً الفصل بين مصلحة الدولة والمواطن والشعب والتنظيم، وبين القضية والمصلحة الوطنية، وبين الدفاع عن الوطن والصراع على النفوذ داخل الجيش؟
هذا السؤال لا يخص شبو وحده، بل يطاول البنية السياسية التي نشأت داخلها هذه الخلافات التاريخية للحركة الإسلامية في البلاد، وصراعات قياداتها التاريخية التي ظلت مؤثرة في مسار الحركة، ومن بينها علي كرتي ونافع علي نافع، من دون أن يعني ذلك أن أياً منهما طرف مباشر في الأزمة التي تحدث عنها شبو؛ فلا يقدم نص الاستقالة دليلاً على ذلك.
لكن بقاء الأسئلة المتعلقة بمراكز القيادة والنفوذ داخل الحركة مفتوحة يجعل من الصعب التعامل مع أزمة «صدى» باعتبارها حادثة منفصلة تماماً عن المشهد الأوسع.
فالرجل غادر متحدثاً عن الإقصاء، ثم عاد باسم الشورى. اتهم أطرافاً لم يسمها، ثم احتفظ بتفاصيل قال إنه لا يستطيع كشفها. تحدث عن «كسر العظم»، ثم عاد إلى المؤسسة التي قال إن بيئتها دفعته إلى المغادرة. وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق المساءلة.
تبدو استقالة القيادي بالحركة الإسلامية أبوبكر شبو هي القصة الأهم.
القصة الأهم هي ما كشفته الاستقالة، ولو بصورة غير مكتملة، عن صراع داخل صفوف الحركة الإسلامية؛ صراع لا نعرف حتى الآن أطرافه كاملة، ولا حدوده، ولا ما إذا كان سيبقى محصوراً في خلافات تنظيمية أم يكشف لاحقاً عن تنافس أوسع على القيادة والنفوذ والتمثيل.
وما بات واضحاً أن الحرب لم تُنهِ الخلافات داخل الإسلاميين، وربما أخّرت فقط ظهورها إلى السطح، بينما أعادت في الوقت نفسه ترتيب موازين القوة داخل المعسكر المؤيد للجيش.
واستقالة شبو ثم تراجعه عنها قد لا تكون نهاية الأزمة. ربما كانت فقط اللحظة التي خرج فيها جزء من الصراع الداخلي لأجنحة الحركة الإسلامية إلى العلن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.