صفعة حقوقية لسلطة بورتسودان: تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق يقطع الطريق أمام الإفلات من العقاب

 تحليل: عين الحقيقة

 

في تطور مفصلي يضع الأزمة السودانية مجدداً تحت المجهر الدولي الصارم، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالأغلبية قراراً بتمديد ولاية “البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان” لمدة عام إضافي. وتأتي هذه الخطوة لتبدد أوهام سلطة الأمر الواقع في بورتسودان وقوات الدعم السريع بإغلاق الملف الحقوقي أو الإفلات من طائلة الملاحقة الدولية، وتؤكد أن تسييس النفي وتحشيد التكتلات الإقليمية لن يفلحا في التغطية على حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.

وقد حظي القرار (A/HRC/63/L.26) الصادر عن الدورة الثالثة والستين لعام 2026 بتأييد 28 دولة، مقابل اعتراض 10 دول وامتناع 9 عن التصويت. وبينما جاء الرفض متوقعاً من عواصم تتقاطع مصالحها مع الخيار العسكري أو تناهض آليات التحقيق الدولية — مثل الصين، مصر، قطر، والكويت — فإن التصويت كشف عن انقسام إفريقي لافت، حيث صوتت دول مثل جنوب إفريقيا وغامبيا وملاوي لصالح التمديد، مشددة على مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

 خريطة المحاسبة

لم يكتفِ القرار بتمديد عمل البعثة، بل وضع إطاراً قانونياً وإنسانياً متكاملاً يعيد إنتاج الضغط الدولي عبر نقاط رئيسية: توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية: طالب القرار بتوسيع نطاق تحقيق المحكمة الجنائية ليشمل كافة أرجاء السودان بدلاً من الاقتصار على دارفور، مع التشديد على حفظ الأدلة لتقديم المسؤولين على طول سلسلة القيادة للمحاكمة.

إدانة استخدام التجويع كـ “سلاح حرب”: رصد التقرير وصول عدد المحتاجين للمساعدات إلى أكثر من 33 مليون شخص، مع تحذير مباشر من مجاعة حادة تطال 19.5 مليون سوداني، مطالباً بالفتح الفوري وغير المشروط للمعابر الحدودية وخطوط المواجهة، بما فيها معبر “أدري”.

تجريم الانتهاكات الشاملة للطرفين: أدان القرار الهجمات العشوائية بالطيران والمسيرات، واستهداف المستشفيات والبنى التحتية، فضلاً عن جرائم الحصار والتطهير العرقي والعنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي في الفاشر (والتي تحمل مؤشرات إبادة جماعية) والتحذير من تكرارها في مدينة الأبيض.

ملاحقة التدخلات الخارجية والمرتزقة: حظر القرار الدعم المالي والعسكري الخارجي للطرفين، بما في ذلك تدفق السلاح، المسيرات، والجهود الاستخباراتية التي تُذكي أتون الصراع.

رفض السلطات الموازية والتمسك بالانتقال المدني: شدد القرار على وحدة وسياق السودان، مع الرفض القاطع لإقامة أي سلطات موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، والمطالبة بوقف إطلاق النار وتدشين عملية سياسية بقيادة مدنية شمولية.

التمديد انتصار للضحايا

وفي تصريح خاص لمنصة عين الحقيقة، علق الخبير في القانون الدولي والعدالة الانتقالية مهند محمد على القرار قائلاً: “إن تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق يمثل ضربة قاضية لمساعي السلطة العسكرية وكتائب الإخوان لتغييب آليات العدالة الدولية. توثيق الجرائم وفق سلسلة القيادة يعني أن الأمور لم تعد تقف عند حد الإدانة السياسية، بل تتجه مباشرة نحو بناء ملفات جنائية مكتملة الأركان أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم ذات الاختصاص العالمي. النفي الصادر من بورتسودان لم يعد يملك أي قيمة قانونية أمام شهادات الأدلة والوثائق الميدانية التي تجمعها البعثة.”

من جانبه، شدد طبيب وقيادي في المجموعات الطبية الميدانية ــ فضلّ حجب اسمه ــ  في حديثه لـ عين الحقيقة، على أهمية القرار للقطاع الصحي والميداني: “إن القرار يضع أطراف النزاع أمام مسؤوليتهم المباشرة عن استهداف الكوادر الطبية والمستشفيات وغرف الاستجابة للطوارئ. إشارة القرار الصريحة إلى استخدام التجويع وقطع الخدمات الطبية كسلاح حرب في الفاشر والأبيض هي توصيف دقيق للكارثة التي نعيشها daily. التمديد يوفر غطاء حماية معنوياً وقانونياً للضحايا والشهود الميدانيين الذين يخاطرون بحياتهم لتوثيق هذه الانتهاكات.”

 حصار قانوني وسقوط لرهانات الاستمرار

يؤكد هذا القرار الأممي أن المجتمع الدولي — رغم تباطؤ حراكه السياسي — غير مستعد لغلق ملف الانتهاكات في السودان أو منح حصانة مجانية لأمراء الحرب. ويرى محللون لـ عين الحقيقة أن تمديد ولاية البعثة وتوسيع صلاحيات التحقيق يشكلان أداة ضغط حقيقية تنزع الشرعية عن السلطة العسكرية وسلوك المليشيات، وتضع جميع أطراف الحرب أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستجابة الفورية لوقف القتال وفتح الممرات الإنسانية، أو مواجهة آليات الملاحقة الجنائية الدولية التي لا تسقط بالتقادم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.