هأنذا أسير على أرض الصنعة: الرد الأدبي على تعقيب البروفيسور علي محمود(الجزء الأول)
دكتور الوليد آدم مادبو
سلّمتُ للبروفيسور علي محمود، في ردّي الأول، بأستاذيته في الأدب واللغة، وقلت إنني لا أنازعه فيها. كان ذلك من أدب المحاورة، وقد وعدتُ القارئ يومها أن نضع الحجة إلى جوار الحجة. ثم عدتُ إلى تعقيبه أقرؤه في حقله هو لا في حقلي: في النقد والعروض واللسانيات، وهي الساحة التي قال إنها ساحة المقارنة.
لن أعيد هنا شيئاً مما قلته في السياسة. هذه ورقة في الصنعة وحدها: في الشواهد التي استدعاها التعقيب، والمصطلحات التي استعملها، والأعلام الذين احتجّ بهم. والسؤال فيها واحد: هل تشهد هذه الشواهد له أم عليه؟
شهودٌ يشهدون عليه
سأل الأستاذ: «فمَن يكون د. وليد مادبو بإزاء العلّامة عبد الله الطيب؟». ولم أشأ أن أتفاخر، ولكن من سأل استحق الجواب. أنا أستاذ علوم سياسية، ومهندس، ومعلّم قرآن أحمل سنداً متصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية.
سألتَ: مَن ذا؟ وما في القولِ مِن ضررٍ / تدري بيَ الضادُ والقرآنُ والقلمُ
حملتُ حفصًا عنِ الأشياخِ متّصلًا / حتى انتهى للنبيِّ المصطفى الكَلِمُ
وما احتججتُ بأنسابٍ ولا لقبٍ / إنّ الدليلَ هوَ الأنسابُ والرَّحِمُ
ومن أخذ القرآن بسنده وأقرأه لا يُتَّهم بالطعن في الثقافة الإسلامية، ولا يحتاج إلى من يعرّفه بقدر العربية. على أنني لا أحتجّ بشيء من ذلك. فالحجة لا تُوزن بألقاب صاحبها ولا بنسبه، وقد أجبتُ عن السؤال من جهة المبدأ في ردّي الأول. وأعود إليه هنا من جهة الوقائع وحدها، لأن الأمثلة التي ساقها الأستاذ تنقض القاعدة التي بناها عليها.
استشهد بمحمود شاكر في نقد طه حسين. ومحمود شاكر يوم واجه طه حسين في قضية الشعر الجاهلي كان طالباً في سنته الثانية بكلية الآداب، دون العشرين، وطه حسين أستاذه. ولو طُبّقت عليه قاعدة التعقيب لقيل له: من تكون بإزاء الدكتور؟
واستشهد بالعقاد والمازني. وهما صاحبا «الديوان» (1921)، شابان في أول الثلاثين، لا يحمل أولهما غير الشهادة الابتدائية، حملا فيه على شوقي وهو يومئذ شاعر العربية الأول.
وقال إن كبلنغ «انتقده الروائي والفيلسوف هنري جيمس». والفيلسوف هو أخوه وليم. أما هنري الروائي فهو الذي كتب مقدمة مجموعة كبلنغ «Mine Own People» (1891) مقرِّظاً، وهو الذي كتب إلى أخيه الفيلسوف في فبراير 1892 أن كبلنغ «أكمل رجل عبقري عرفته». نعم، فتر إعجابه بعد ذلك. لكن المساءلة التي غيّرت موقع كبلنغ في الثقافة الإنجليزية، وهي ما عنيتُه، جاءت من جورج أورويل في مقالته عام 1942، ثم من إدوارد سعيد، وهو أستاذ أدب مقارن لا شاعر ولا روائي.
والتراث الذي يحتكم إليه الأستاذ حسم المسألة قبل أحد عشر قرناً. قال ابن قتيبة في مقدمة «الشعر والشعراء»: «ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره». وقال: «ولا نظرتُ إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه». فمن أراد أن يكون تراثياً فليكن تراثياً إلى آخر الشوط.
القراءة أول الصنعة
قبل أن أُحاسَب على ما قلت، يحسن أن يُنقل ما قلت. وفي التعقيب ثلاثة مواضع نُسب إليّ فيها غير ما كتبت.
الأول: قال إنني «انتزعتُ ثلاثة ألفاظ» وحاكمتُ الكلمة مفردة. والجملة التي نقلها هو نفسه عني تقول: «ليست المشكلة في حضور هذه الصور، وإنما في بقائها تؤدي الوظيفة الرمزية نفسها». وقبلها بسطور، مما لم ينقله: «لا يثير الملاحظة لأنه يستخدم ألفاظاً قديمة، فالتراث ليس تهمة». دعواي إذن في وظيفة الصورة داخل سياقها، لا في معجمها. فردّ الأستاذ على دعوى المعجم، وترك دعوى الوظيفة قائمة.
الثاني: نسب إليّ أنني أرى في «الرجوع إلى الإسلام» رمزية «مجتمع قبلي قديم». وعبارتي كانت عن الحقل الرمزي للقصيدة «كما استقر في الشعر الجاهلي والإسلامي المبكر». والغُرّة والنسيب و«حبذا» من ميراث الجاهلية، لا من أركان الإسلام. والفرق بين نقد قصيدة والطعن في دين لا يخفى على أستاذ أدب.
الثالث: طالبني بـ«تبرير نظري» للتفريق بين شيخ أنتا ديوب وسردية النسب العربي. والتبرير مكتوب في المقال: ديوب يسترد تاريخاً صودر، وغيره يستعير تاريخاً ليس له. وقبله بفقرتين: «فالقضية ليست أي سردية نختار، عربية أم أفريقية، بل من يملك سلطة تعريف الهوية». للأستاذ أن يرفض التبرير، وليس له أن يقول إنه غير موجود.
ثم أحصى عليّ أن كلمة «المركز» تكررت تسع مرات. وهذا، بمعياره هو، عزلٌ للكلمة عن نظمها. وعنوان تعقيبه يكررها مرتين.
الجرجاني وريفاتير: شاهدان لم يُسألا
استدعى الأستاذ شاهدين على أن اللفظ يتجدد بتجدد «الصياغة والسياق»: عبد القاهر الجرجاني وميشال ريفاتير. والقاعدة صحيحة، ولا أنازع فيها. لكن القاعدة ليست تطبيقها. كان المنتظر بعدها أن يدلّنا على موضع واحد في الأبيات جدّد فيه النظمُ اللفظ: تقديم أو تأخير، أو إسناد غير مألوف، أو صورة انحرفت عن مخزونها. فلم يفعل. قال إن الكلمات «حيّة نابضة» وإن الشاعر «حاذق ماهر». وهذا ثناء لا تحليل. ومن يحتجّ بالنظم ثم لا يحلل نظماً، كمن يحتجّ بالمجهر ثم لا ينظر فيه.
ولو سُئل الشاهدان لشهدا بغير ما أراد.
فالأسلوب عند ريفاتير أثرٌ يحدثه عنصر غير متوقَّع يقطع نمطاً لغوياً مطّرداً. معياره المفاجأة لا السلامة. فأين غير المتوقَّع في «حبذا أنت والجبين الأغر»؟ الجبين الواسع والعِرق الذي يدِرّ فيه صفتان مأثورتان في كتب الشمائل منذ القرن الأول: «واسع الجبين… بينهما عِرقٌ يُدِرّه الغضب». و«يا هناة» نداء من زمن امرئ القيس: «وقد رابني قولها يا هَناهُ». القارئ يعرف آخر الشطر قبل أن يبلغه. وهذا، بمعيار ريفاتير الذي اختاره الأستاذ، أدنى درجات الأسلوب لا أعلاها.
وأما الجرجاني فللنظم عنده معنى محدد: «توخّي معاني النحو فيما بين الكلم». هو نظرية في علاقات التركيب، لا فتوى بأن كل ما صحّ نظمه فقد تجدد معناه. وللجرجاني نفسه اسمٌ لما وصفتُه في القصيدة: «الاحتذاء». وقد شبّه صاحبه بمن يقطع من أديمه نعلاً على مثال نعلٍ قطعها غيره. فالتمييز بين من يبتدئ الأسلوب ومن يحتذيه ليس بدعة أدونيسية. هو في «دلائل الإعجاز».
ثم طمأننا الأستاذ إلى أن ألفاظ القصيدة «ليست من الحوشيّ الموضوع في قالب المعاظلة». وهذه عبارة عمر بن الخطاب في زهير: «كان لا يعاظل بين الكلام ولا يتتبع حوشيّه». فقصيدة كُتبت في القرن العشرين عن سمرقند بُرّئت بمعيار وُضع لزهير بن أبي سلمى. ولم أكن أطمع في شاهد على دعواي أوضح من هذا.
رمزٌ أم إثنوغرافيا؟
قال الأستاذ في فقرة واحدة أمرين لا يجتمعان بلا بيان. قال إن المحبوبة «في نظري ليست امرأة وإنما رمز لدفء وسكينة». وقال إن في القصيدة وصفاً لملابس النساء وضفائرهن ورقصهن «أقرب إلى الوصف الإثنوغرافي». فهل النص رمز لا امرأة فيه، أم توثيق لنساء من لحم ودم؟ قد يجتمع الأمران في قصيدة، لكن اجتماعهما يُبرهَن عليه من النص، ولا يكفي فيه «في نظري». وقد مهّد لقراءته بأن في القصيدة رموزاً «لا يفهمها إلا من دأب على نقد الشعر». والنقد الذي يحجب دليله عن القارئ ويحيله على أهلية الناقد ليس نقداً، بل كهانة.
ثم إن كلمة «الإثنوغرافي» أثمن ما في التعقيب، وأشكره عليها. شاعر يمرّ ببلاد غيره فيصف أزياء نسائها وضفائرهن ورقصهن: هذه نظرة الرحّالة إلى الآخر مشهداً يُتفرَّج عليه. فإذا كان الوصف إثنوغرافياً، والعُدّة عُدّة النسيب القديم، فقد رأى الشاعر سمرقند بعين غيره مرتين: مرة بعين الرحّالة، ومرة بعين امرئ القيس. ولم يرها بعين سوداني من القرن العشرين. وهذا هو المأخذ.
وأما أن الخفيف بإيقاعه «الرشيق» يناسب «الوصف ومشاهد الجمال»، فالخفيف بحر معلّقة الحارث بن حلّزة، وهي مرافعة سياسية بين يدي ملك. وهو بحر «غيرُ مُجدٍ في ملّتي واعتقادي»، أشهر مراثي العربية. وصاحب «المرشد» نفسه يقول إن الخفيف «يجنح صوب الفخامة» (ج1، ص238). وبحرٌ يصلح للمرافعة والمرثية والفخامة والغزل جميعاً لا يفسّر اختيارُه شيئاً. وذلك مأخذ قديم على نظرية الأوزان والأغراض كلها: أنها تصف ما وقع، ثم تسمّيه مناسبة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.