كسر المرآة.. نوبل الكيمياء وسرّ اليد الواحدة؟!

الجميل الفاضل

جاءت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لتضيء، من أقصى حدود المادة، سؤالاً يبدو أقدم من المختبر نفسه: كيف تختار الحياة وجهها؟
كيف تقف المادة أمام مرآتها فتجد وجهين متشابهين، ثم تمضي مع أحدهما وتترك الآخر في جهة الظل؟
ليس هذا في ظاهره إلا شأناً من شؤون الكيمياء.
لكن بعض الاكتشافات لا ترضى أن تبقى حيث وُلدت.
فهي تفتح في جدار العلم كوّة، ثم تقول لنا: هلموا فانظروا.
انظر إلى يديك: يد يمنى ويد يسرى، متشابهتان حتى تكاد المرآة تخلط بينهما، لكن اليد لا تدخل في صورتها تماماً.
يمكنك أن تقلب العالم كله، ولن تستطيع أن تجعل اليمين يساراً من غير أن تكسر شيئاً في سرّ الصورة نفسها.
هكذا أيضاً لبعض الجزيئات: وجه ووجه، صورة وصورتها، يمين وشمال.
وكأن المادة في بدايتها تقف أمام المرآة ولا تعرف أي الوجهين تختار. ثم تأتي الحياة، ومن هنا يبدأ السر.
الحياة لم تأخذ الطريقين معاً. لم تقل: ليكن نصفنا هنا ونصفنا الآخر هناك، لقد اختارت.
اختارت للأحماض الأمينية وجهاً واحداً، واختارت للسكريات الوجه الآخر.
ومنذ تلك اللحظة صار الاختيار خبز الخلية، وصارت الخلية تحفظه كما تحفظ النار سرّ اشتعالها.
انظر كيف يمكن لميلٍ لا يكاد يُرى أن يصبح قانوناً.
فالشيء الصغير قد لا يبقى صغيراً. وقد تبدأ الرحلة من انحياز ضئيل، من بذرة لا تكاد تُرى.
ثم تبدأ البذرة في إنجاب نفسها، فيغدو الناتج صانعاً لناتج آخر.
وتكبر الكفة رويداً رويداً، لا لأن أحداً دفعها بعنف، بل لأن ما اختارته تعلّم كيف يكرر اختياره.
هكذا، شيئاً فشيئاً، تسقط المرايا من الحساب: وجه يتقدم ووجه يتراجع، حتى لا يبقى من الفوضى إلا ذكرى بعيدة.
وهنا، دون أن نشعر، نغادر المختبر وندخل إلى الإنسان، إلى القلب، إلى تلك الغرفة الصغيرة التي لا يراها أحد، ويُصنع فيها كل يوم وجه الإنسان الذي سنكونه. فكم من مصير بدأ بميل لا يكاد يُرى: كلمة، أو نظرة، أو نزوة، أو كذبة صغيرة، أو صدق لم يسمعه أحد، أو يد امتدت إلى محتاج، أو يد كان يمكن أن تمتد إلى الأذى ثم تراجعت.
على أية حال، كل شيء يبدأ صغيراً، لكن ليس كل صغير يبقى بريئاً في المستقبل.
فالشيء الذي نكرره يتعلم كيف يكبر، والصدر الذي يملأه الغضب يصنع من الغضب شجرة.
والقلب الذي يتشرب الرحمة قد يجد بعد حين أن الرحمة صارت له طبيعة.
هنا يمكن أن نفهم معنى التزكية بطريقة أخرى.
إذ ليست التزكية أن تخلق النور؛ فالنور موجود.
المطلوب فقط أن تعرف أي البذور ينبغي أن تسقي.
فقد قال سبحانه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
كأن النفس أيضاً تقف أمام مرآتها: وجه يأخذها إلى الأسفل، ووجه يفتح نافذتها إلى أعلى.
وأنت في كل لحظة تضع قطرة في أحداهما.
لهذا يبدو لي أن كسر المرآة ليس تدميراً للصورة، إنما هو كسر لحيادها.
عندما تقول للحياة: لن أترك وجهي معلقاً بين وجهين.
سأختار، ثم أكرر اختياري حتى يصير الاختيار عندي سجيّة، وتصير السجيّة طريقاً، ويصير الطريق قدراً أصنعه بيدي.
ولعل هنا سرّ ما، يبدو بعيداً عن الكيمياء: أن الحق لا يحتاج دائماً إلى كثرة هائلة كي يغلب.
قد يبدأ ببذرة، أو بكلمة، أو بميل خفي، ثم يكبر.
يقول تعالي: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾
فالحق حين يجد موضعه لا يظل ذرة؛ إنه يعرف كيف يتكاثر.
والنور إذا وجد قلباً لا يغلق بابه يعرف كيف يصنع نوراً آخر.
لذلك لا أريد أن أقرأ نوبل الكيمياء 2026 بوصفها خبراً عن المختبر فقط.
أريد أن أقرأها كإضاءة خاطفة على سرّ أوسع: فالحياة ليست مرآة محايدة، إنها اختيار يتكرر.
والوجود في أعماقه لا تحكمه الكثرة وحدها، بل تحكمه أحياناً الوجهة التي يتخذها.
ولذلك ربما لا نحتاج دائماً إلى قوة أكبر.
إنما قد نحتاج فقط إلى انحياز صحيح، ثم إلى الصبر على تكراره، حتى يصير النور عادة، وتصير العادة طبيعة، ويصبح ما بدأ ذرة من المعنى قانوناً يسكن الروح.
في البدء كانت مرآة، وكانت صورتان، يدان، وجهان.
ثم جاءت الحياة فكسرت التعادل، اختارت، ومضت.
ومنذ ذلك الحين وهي تقول لنا بصمت الخلية، وبلغة الجزيء، وبأسرار الجسد:
ليست الحكمة أن ترى الوجهين فقط.
الحكمة أن تعرف أيهما وجهك، ثم تمضي إليه بيد واحدة، وقلب واحد، وطريق واحد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.