تعنت القيادة العسكرية في السودان: استنزاف للوطن ومقامرة بمستقبل الشعب

نورا عثمان

تتوالى الإشارات التي تؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد محكومة فقط بتقاطعات الميدان وتوازنات القوة، بل بمدى توفر الإرادة السياسية والمسؤولية الأخلاقية لدى صناع القرار. وفي هذا السياق، جاء ما كشفه موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي بشأن موقف قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه بمستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ليميط اللثام مجدداً عن حقيقة العقبات التي تعترض طريق السلام، ويلقي بالضوء على التمسك غير المبرر بالخيار العسكري على حساب معاناة ملايين السودانيين.
إن الإصرار على النهج العسكري وإعاقة جهود وقف إطلاق النار في هذه المرحلة الحرجة لا يمثلان مجرد خيار سياسي أو تكتيك تفاوضي، بل يعكسان انفصالاً تاماً عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الشارع السوداني. ففي الوقت الذي تتكثف فيه المساعي الدبلوماسية والضغوط الدولية – وفي مقدمتها التحركات الأمريكية الأخيرة – لإقرار هدنة تعيد فتح المسارات الإنسانية وتنقذ البلاد من الانهيار الكامل، يأتي الإصرار على استمرار الحرب ليعطل أي أمل في تخفيف وطأة الكارثة الإنسانية التي ضربت كل بيت سوداني.
لقد أثبتت الأشهر الطويلة من الاقتتال الشرس أن الحسم العسكري المباشر بات رهاناً صفرياً لا ينجم عنه سوى تدمير ما تبقى من بنية تحتية ومؤسسات وطنية، وتعميق حالة الانقسام المجتمعي. إن فتح مسارات الحل السياسي والإنساني ليس تنازلاً لأي طرف، بل هو ضرورة حتمية لحماية الكيان الوطني ومنع انزلاق البلاد نحو حالة من الفوضى الشاملة التي لن يستفيد منها سوى القوى الظلامية وأصحاب المصالح الضيقة.
إن موقف القيادة العسكرية المتمسك بالقتال يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الحقيقية. إذ لم يعد كافياً الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو تقديم مقترحات غير ملزمة؛ بل بات من الضروري أن تترافق هذه التحركات الدبلوماسية بأدوات ضغط حقيقية وفاعلة على جميع أطراف النزاع للجلوس إلى طاولة المفاوضات دون شروط تعجيزية.
ختاماً، يجب أن يدرك الجميع أن مستقبل السودان وسلامة أراضيه وأرواح مواطنيه أكبر من أي حسابات سلطوية أو تطلعات فردية. إن الاستجابة لدعوات وقف إطلاق النار والانخراط الجاد في تسوية سياسية شاملة هي السبيل الوحيد لإيقاف نزيف الدم ووضع حد لهذه التراجيديا التي طال أمدها. أما الاستمرار في إعاقة مبادرات السلام، فإنه لن يورث البلاد سوى المزيد من الدمار، وسيتحمل المسؤولون عنه تبعاته التاريخية والأخلاقية أمام الشعب السوداني وأمام العالم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.