بين الدعوات الدولية لإنهاء الحرب في السودان، واستمرار تدفق الأسلحة إلى ساحات القتال، تتكشف فجوة متزايدة بين المواقف السياسية والقدرة على فرض إجراءات عملية تحد من التصعيد.
ويعيد تعثر التوافق داخل مجلس الأمن بشأن توسيع حظر السلاح طرح سؤال جوهري: هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة لتحويل تحذيراته من مخاطر الحرب إلى ضغوط فعلية تغيّر حسابات الأطراف المتحاربة، أم تبقى العقوبات رهينة الخلافات الدبلوماسية والتمديدات المؤقتة؟
ولا يقتصر الجدل بشأن حظر الأسلحة على الجوانب القانونية والإجرائية، بل يمتد إلى طبيعة الدور الدولي في التعامل مع النزاع السوداني، خصوصاً مع استمرار استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، وما يرافق ذلك من مخاطر متزايدة على المدنيين والبنية التحتية والمنشآت الحيوية. وفي هذا السياق، يرى خبراء عسكريون، في تقارير سابقة اطلعت عليها «عين الحقيقة»، أن فعالية أي تحرك دولي تتوقف على الانتقال من إدانة القتال والدعوة إلى التفاوض إلى إجراءات تحد من قدرة الأطراف على مواصلة العمليات العسكرية.
ويشير محللون إلى أن نجاح أي حظر شامل محتمل يرتبط بوضوح نطاقه، ووجود آليات فعالة لمراقبة تنفيذه، وتعزيز التعاون بين الدول لمنع عمليات نقل الأسلحة بصورة غير مشروعة، ومحاسبة الجهات التي تنتهكه. فمهما بلغت صرامة القرارات الدولية، فإنها تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بآليات متابعة ورقابة تضمن تطبيقها على أرض الواقع.
ومن شأن توسيع الحظر ليشمل جميع الأطراف، إذا صُمم ونُفذ بفاعلية، أن يحد من حصول المتحاربين على الإمدادات العسكرية ويقلل فرص تصعيد العمليات. غير أن هذا الإجراء، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يحل محل المسار السياسي أو الضغوط الدبلوماسية اللازمة للتوصل إلى وقف إطلاق النار. ويكمن التحدي في ضمان ألا يتحول الحظر إلى قرار شكلي، بينما تواصل قنوات الإمداد والتمويل عملها بعيداً عن الرقابة الدولية.
دارفور في قلب نظام العقوبات
يعود إنشاء فريق الخبراء المعني بالسودان إلى قرار مجلس الأمن رقم 1591، الصادر في 29 مارس 2005، ضمن التدابير المرتبطة بالنزاع في دارفور. ومنذ ذلك الحين، شكّلت العقوبات وآليات الرصد إحدى أدوات المجلس للتعامل مع الانتهاكات والتهديدات التي تواجه الأمن والاستقرار في الإقليم.
لكن اتساع رقعة الحرب الحالية لتشمل مناطق واسعة من السودان أعاد فتح النقاش بشأن مدى ملاءمة الإطار الجغرافي التقليدي للعقوبات مع طبيعة الصراع الراهن. فتداخل جبهات القتال وتشابك خطوط الإمداد العسكري، إلى جانب تنامي استخدام التقنيات الحديثة، تطرح تساؤلات بشأن قدرة التدابير القائمة على الحد من تدفق الأسلحة إلى مختلف ساحات النزاع.
وفي هذا الإطار، يعكس المقترح الأمريكي بتوسيع حظر الأسلحة توجهاً نحو التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة تتجاوز حدود دارفور، وتتطلب مقاربة أوسع لمصادر التسليح ومسارات انتقال المعدات العسكرية. إلا أن الانتقال من نظام عقوبات مرتبط بالإقليم إلى حظر أوسع يشمل السودان بأكمله يظل مرتبطاً بالتوافق السياسي والقانوني داخل مجلس الأمن، فضلاً عن ضرورة تحديد نطاق التدابير والاستثناءات وآليات التنفيذ بدقة، بما يحول دون الإضرار بالاحتياجات المدنية والإنسانية المشروعة.
الانقسام الدولي يمنح الحرب وقتاً إضافياً
تكشف تعثر المفاوضات بشأن توسيع حظر الأسلحة عن فجوة بين توافق دولي معلن على ضرورة إنهاء الحرب، والخلافات القائمة حول الأدوات المناسبة للضغط على أطرافها. فبينما يقر مجلس الأمن بأن الوضع في السودان يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، لم يتمكن أعضاؤه من التوصل إلى توافق بشأن المشروع المقترح لتوسيع نطاق الحظر.
ويرى مراقبون أن استمرار التباينات الدولية يعرقل بناء مقاربة أكثر تماسكاً للحد من التصعيد، ويتيح للأطراف المتحاربة مساحة إضافية للمناورة السياسية والعسكرية. كما أن غياب التوافق بشأن مصادر السلاح وسبل الحد من تدفقه قد يقلل من تأثير الدعوات إلى الهدنة، إذا لم تُترجم إلى إجراءات عملية تحد من استمرار الإمدادات العسكرية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال استمرار الحرب في الانقسامات الدولية وحدها؛ إذ تظل الأطراف السودانية مسؤولة عن قراراتها العسكرية، وعن حماية المدنيين، وعن الاستجابة للمبادرات الرامية إلى وقف القتال. كما أن إنهاء الأزمة يتطلب مساراً سياسياً سودانياً واسع المشاركة، لا يحصر مستقبل البلاد في التفاهمات بين القيادات العسكرية، بل يتيح مشاركة القوى المدنية والمجتمعية في تحديد ملامح التسوية السياسية.
ماذا بعد 11 ديسمبر؟
يفتح التمديد الجديد الباب أمام مهلة إضافية لأعضاء مجلس الأمن للتفاوض بشأن مستقبل نظام العقوبات، في وقت تستمر فيه ولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027. وخلال هذه الفترة، ستتركز الأنظار على قدرة الولايات المتحدة وبقية أعضاء المجلس على تجاوز خلافاتهم، والتوصل إلى موقف مشترك بشأن توسيع حظر السلاح، والتعامل مع التحديات المرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
وتتراوح الخيارات بين التوصل إلى صيغة أكثر شمولاً للعقوبات، ومواصلة التمديدات المؤقتة في حال استمرار الخلافات بشأن التعديلات المقترحة. غير أن أهمية المرحلة المقبلة لا تكمن في المواعيد والإجراءات وحدها، بل في مدى قدرة المجلس على تحويل المفاوضات إلى تدابير واضحة وقابلة للتنفيذ.
وفي الواقع، لا يمثل تمديد العقوبات لمدة شهرين تحولاً حاسماً في مسار إنهاء الحرب، لكنه يضع ملف التسليح في صلب النقاش الدولي بشأن السودان. ويبقى الاختبار الفعلي لجدية مجلس الأمن مرتبطاً بقدرته على تجاوز حالة الجمود، وتطوير آليات تحد من تدفق الأسلحة، وتدعم حماية المدنيين، وتهيئ الظروف لوقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام.
فالسؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كان المجتمع الدولي سيُبقي العقوبات قائمة، بل على ما إذا كان قادراً على جعلها أداة مؤثرة في مسار الحرب، بدلاً من أن تظل قراراته محكومة بدورات التمديد وانتظار التوافق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.