يبحث البرهان عن انتصار في مجلس الأمن، بينما تتراكم الأسئلة حول الحرب التي يقودها والاتهامات الخطيرة التي تواجه سلطته؛ فتعثر المقترح الأمريكي لتوسيع حظر السلاح على السودان منح أبواق سلطة بورتسودان مادة جديدة للدعاية، وسارعوا إلى تقديم الخلاف داخل المجلس باعتباره هزيمة لواشنطن وانتصارًا للجيش. غير أن هذه الرواية تتجاهل جوهر الأزمة: السودان ما زال غارقًا في الحرب، والاتهامات الأمريكية المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية ما زالت قائمة، والسلطة مطالبة بإجابات تتجاوز الاحتفال بنتيجة تصويت.
إن تعثر مقترح لتوسيع حظر السلاح إلى كامل السودان لا يعني سقوط نظام العقوبات القائم أو إلغاء الإجراءات الأمريكية المرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية؛ ففي 8 أكتوبر 2026م، اعتمد مجلس الأمن القرار 2830 بالإجماع لتمديد نظام العقوبات المعني بالسودان، بينما تعثر التوافق على توسيع حظر السلاح ليشمل البلاد كلها. وهذه نتيجة محددة في مسار دبلوماسي، وليست شهادة ببراءة السلطة من الانتهاكات المنسوبة إليها أو تفويضًا بمواصلة الحرب بعيدًا عن المساءلة.
لقد أعلنت الولايات المتحدة في أبريل 2025م أنها خلصت إلى استخدام حكومة السودان أسلحة كيميائية خلال عام 2024م، وأتبعت ذلك بإجراءات معلنة، ثم أعلنت إجراءات إضافية في عام 2026م. ويجب التمييز هنا بين التحديد الرسمي الذي أعلنته الحكومة الأمريكية والحكم القضائي النهائي؛ فالموقف الأمريكي يستوجب إجابات وأدلة وتحقيقًا موثوقًا، كما أن نفيه يقتضي مسارًا جادًا للتحقق. أما التعامل مع القضية بالدعاية السياسية، فلا يكشف الحقيقة أو يحمي السودان من التداعيات المحتملة.
هنا تقع المسؤولية المباشرة على البرهان بصفته قائد القوات المسلحة ورأس السلطة التي تدير الحرب؛ فمن واجبه أن يوضح موقف مؤسساته من الاتهامات، وأن يضمن حفظ الأدلة والتعاون مع آليات التحقق المختصة، وأن يتخذ تدابير فعالة لمنع استخدام أي أسلحة محظورة. وإذا كانت سلطته ترفض التحديد الأمريكي، فإن عليها تقديم ما يدعم موقفها عبر إجراءات قابلة للفحص. أما الاكتفاء باتهام واشنطن بالاستهداف السياسي، ثم الاحتفال بتعثر مقترح داخل مجلس الأمن، فيترك الأسئلة الجوهرية معلقة ويزيد الشكوك حول جدية التعامل مع الملف.
ويصعب فصل هذه القضية عن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م؛ فالوقائع التي استند إليها التحديد الأمريكي تتعلق بعام 2024م، أي خلال العمليات العسكرية التي شهدتها البلاد. وهذا الارتباط يفرض بحث الظروف التي وقعت فيها الأحداث المزعومة، وطبيعة العمليات المرتبطة بها، ومدى توافر الأدلة على استخدام أسلحة محظورة، والجهات التي قد تتحمل المسؤولية وفق نتائج التحقيق. فالحرب تتجاوز كونها خلفية زمنية محايدة لهذه الاتهامات؛ إنها السياق الذي ينبغي فحص الوقائع داخله، بما يشمل سلسلة الأوامر والرقابة العسكرية وإجراءات منع الانتهاكات.
لقد قاد البرهان السودان إلى مأزق سياسي وعسكري متراكم؛ ففي انقلاب أكتوبر 2021م، أسهم في تقويض الانتقال المدني وتعميق الأزمة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، ثم جاءت حرب أبريل 2023م لتدفع البلاد إلى كارثة واسعة، أزهقت الأرواح وشردت الملايين ودمرت البنية التحتية وأضعفت مؤسسات الدولة وسبل عيش المواطنين. وبعد كل هذه الخسائر، ما زالت القيادة العسكرية عاجزة عن تقديم مخرج سياسي يضع حدًا للقتال ويعيد القرار الوطني إلى مسار مدني ديمقراطي.
إن مسؤولية البرهان السياسية تتعلق بقراراته في إدارة الدولة والحرب، وبقدرته على حماية المدنيين وضمان خضوع المؤسسات العسكرية للقانون. وهذه المسؤولية قائمة بصرف النظر عن النتيجة النهائية للتحقيق في الاتهامات الكيميائية. أما المسؤولية الجنائية عن استخدام أسلحة محظورة أو إصدار الأوامر المتعلقة بها، فتتطلب أدلة وإجراءات قانونية تحدد الوقائع والأشخاص المعنيين. إن الفصل بين المستويين لا يخفف النقد السياسي؛ وإنما يجعله أكثر تحديدًا وقوة، ويمنع السلطة من الاحتماء بالجدل حول الإثبات للتهرب من الأسئلة المتعلقة بإدارة الحرب والرقابة والمساءلة.
وفي الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى قيادة تضع وقف الحرب وحماية المدنيين في مقدمة أولوياتها، ينشغل معسكر البرهان بصناعة انتصارات إعلامية من خلافات دولية؛ وكأن المطلوب إقناع السودانيين بأن تعثر مقترح أمريكي يعوضهم عن فقدان بيوتهم ومصادر رزقهم، أو يعيد الخدمات التي دمرتها الحرب، أو يبدد المخاطر التي تحيط بعلاقات البلاد الخارجية. هذه المفارقة تكشف المسافة بين أولويات المواطنين وأولويات سلطة باتت تتعامل مع بقائها في الحكم باعتباره القضية المركزية.
ويزداد الأمر خطورة مع مساعي الكيزان لاستثمار الحرب في استعادة نفوذهم وتقديم أنفسهم حماةً للدولة، رغم تاريخ التمكين وتسييس المؤسسات وإقصاء القوى المدنية. فعندما يُختزل الوطن في سلطة عسكرية، ويُقدَّم النقد باعتباره عداءً للجيش، تصبح الدعاية وسيلة لحماية المصالح الحزبية من المساءلة. السودان أكبر من البرهان، والمؤسسة العسكرية أكبر من أي تنظيم سياسي، والوطنية لا تعني منح أصحاب السلطة حصانة من النقد والتحقيق.
كما أن تجاهل التداعيات الدولية المحتملة لا يخدم مصالح السودانيين؛ فالإجراءات المرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية قد تفرض أعباء إضافية على بلد يعاني انهيارًا اقتصاديًا وإنسانيًا واسعًا. والمسؤولية هنا تقتضي منع الانتهاكات والتحقيق فيها، إلى جانب حماية المواطنين من آثار السياسات التي تزيد عزلة البلاد وتفاقم معاناتهم. ولا يجوز استخدام احتمال تضرر الاقتصاد ذريعة لإغلاق ملف خطير، كما يتعذر قبول تصرف السلطة وكأن نتائج قراراتها تقع على المسؤولين وحدهم، بينما يتحمل المواطنون العبء الأكبر.
إن مأزق البرهان اليوم أعمق من تعثر مشروع قرار في مجلس الأمن؛ إنه مأزق سلطة تواجه حصيلة حرب مدمرة، وأسئلة عن مسؤوليتها السياسية والعسكرية، واتهامات دولية تستوجب التعامل معها بالأدلة والتحقيق. ولا يستطيع البرهان تجاوز هذه القضايا بتصعيد الخطاب ضد واشنطن أو بتقديم الخلافات الدولية باعتبارها انتصارات شخصية؛ فالمناورات الدبلوماسية قد تؤثر في مسار إجراء بعينه، لكنها لا تنهي الحرب أو تحسم حقيقة الاتهامات أو تعفي القيادة من واجباتها.
على البرهان أن يواجه الأسئلة التي تتعلق بقراراته ومسؤوليته عن إدارة الحرب، وأن يضمن تحقيقًا موثوقًا في الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، وأن يعمل على وقف القتال واستعادة المسار السياسي المدني. أما السودانيون، فقد دفعوا ثمنًا باهظًا لسنوات من عسكرة السياسة وانهيار الانتقال، ومن غير المقبول أن يتحول مستقبلهم إلى رهينة لحسابات البقاء في السلطة.
الدعاية لن تحمي البرهان أو السودان، والاحتفال بتعثر مشروع أمريكي لن يستعيد ثقة المواطنين. حماية البلاد تبدأ بوقف الحرب، وكشف الحقيقة، وضمان المساءلة، وإعادة مؤسسات الدولة إلى دورها الوطني. أما الاستمرار في الحكم وسط الدمار، مع تحويل كل سؤال إلى معركة دعائية، فلن يمحو المسؤولية السياسية عن القرارات التي أوصلت السودان إلى هذا المأزق.
ختامًا: أخطر ما يواجه السودان اليوم يتجاوز مأزق الحرب نفسها إلى مأزق الدولة التي تُدار بمنطق القوة ثم تُطالب العالم بالاعتراف بنتائجها، ولذلك فإن ملف الأسلحة الكيميائية، إذا بقي بلا تحقيق مستقل وشفاف، سيتحول إلى اختبار دولي لمدى خضوع المؤسسة العسكرية للقانون، واختبار داخلي لحدود مسؤولية القيادة عن القرارات التي اتُّخذت باسم الدولة، واختبار مستقبلي لقدرة السودان على استعادة شرعيته وعلاقاته ومؤسساته بعد الحرب. وأي محاولة لتحويل تعثر قرار في مجلس الأمن إلى انتصار سياسي ستبقى قصيرة العمر أمام سؤال أكبر يتعلق بمن يملك قرار الحرب، ومن أصدر الأوامر، ومن راقب التنفيذ، ومن سمح بانهيار منظومة المساءلة، ومن يتحمل كلفة ما ترتب على ذلك أمام السودانيين وأمام القانون الدولي. المعركة الحقيقية لم تعد حول كسب جولة دبلوماسية أو هزيمة خصم خارجي في التصريحات؛ إنها معركة حول شكل الدولة التي ستخرج من هذا الخراب: دولة تحتكر فيها جماعات مسلحة وتنظيمات أيديولوجية قرار الحرب والسلام، أم دولة دستورية مدنية تخضع فيها القوات المسلحة لسلطة شرعية، وتُدار فيها منظومة الأمن وفق القانون، وتُفتح فيها ملفات الانتهاكات بلا حصانات سياسية أو عسكرية، وتُبنى فيها المؤسسة الوطنية على المهنية والمساءلة ووحدة القيادة. ولهذا فإن بقاء البرهان داخل معادلة الحرب من دون مسار واضح لإنهائها، ومع استمرار الأسئلة المتعلقة بالأسلحة المحظورة وسلاسل القيادة والرقابة، يوسّع مأزقه بدل أن يخففه، لأن كل يوم حرب جديد ينتج التزامات قانونية وسياسية وأخلاقية جديدة، ويعمق عزلة السلطة، ويرفع كلفة التسوية، ويقرب لحظة يصبح فيها السؤال الدولي والسوداني واحدًا: من يحمي الدولة من قرارات من يديرونها؟ والخروج من هذا المأزق يبدأ بوقف الحرب، وفتح تحقيق موثوق، وحفظ الأدلة، وكشف سلسلة المسؤولية، وإنهاء نفوذ الشبكات الحزبية داخل المؤسسة العسكرية، واستعادة القرار الوطني المدني؛ فالسودان لن يُنقذ بإدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما بإغلاق باب الحرب وفتح باب الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.