مناوي ورواية الحياد: شهادات تكشف ما أخفاه عن الأيام الأولى لحرب السودان

مجاهد بشري

كفي حديث مصور، أعاد مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان، تقديم روايته بشأن موقفه من الحرب السودانية خلال أيامها الأولى، متحدثاً عن اجتماع عقده في سنار خلال الأسبوع الثاني من القتال، بمشاركة جبريل إبراهيم ومالك عقار والتوم هجو، زعم أنهم اتفقوا خلاله على إعلان الحياد وعدم المشاركة في المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومواصلة التواصل مع الطرفين سعياً إلى احتواء الحرب والمحافظة على مؤسسات الدولة, غير أن هذه الرواية، التي حاول من خلالها مناوي تقديم نفسه باعتباره طرفاً ظل متمسكاً بالحياد قبل أن تدفعه التطورات اللاحقة إلى الانحياز للجيش، تتعارض مع شهادات مباشرة حصلنا عليها من قيادات سياسية وعسكرية كانت على صلة وثيقة بالأحداث التي شهدتها الخرطوم منذ الخامس عشر من أبريل 2023، وتكشف عن تفاصيل تتعلق بمشروع بيان أُعد في ثالث أيام الحرب لإعلان الوقوف إلى جانب الجيش، قبل أن يُسحب ويُعلن الحياد ظاهرياً لتأمين خروج قادة الحركات المسلحة من العاصمة عبر ترتيبات أجريت مع قيادة قوات الدعم السريع.

لم تبدأ الاتصالات بين مناوي وجبريل إبراهيم ومالك عقار بعد اندلاع الحرب، فقد كان الرجال الثلاثة يقودون تحركات سياسية مشتركة خلال الأيام التي سبقت المواجهات العسكرية، في محاولة للتوسط بين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو “ظاهرياً”، وأعلنوا قبل اندلاع القتال أنهم توصلوا إلى تفاهمات تهدف إلى خفض التصعيد ومنع المواجهة، وقد وثقت وسائل الإعلام تلك الاتصالات، ومن بينها تقارير نشرتها الجزيرة ووكالة الأناضول في منتصف أبريل 2023، قبل أن تنهار جهود الوساطة وتندلع الحرب صباح الخامس عشر من أبريل. لكن ما حدث بعد ذلك بيومين، وفقاً لشهادات حصلنا عليها، يضع موقف قادة تلك الوساطة أمام تساؤلات جوهرية بشأن حقيقة الخيارات السياسية التي اتخذوها عندما بدأت المعارك، ومدى اتساق تلك الخيارات مع رواية الحياد التي قدموها لاحقاً للرأي العام.

ففي مقابلة أجريتها قبل نحو عام مع الدكتور الهادي إدريس، رئيس حركة تحرير السودان ، المجلس الانتقالي وحاكم إقليم دارفور ، كشف عن واقعة تعود إلى السابع عشر من أبريل 2023، ثالث أيام الحرب، حين أرسل إليه مني أركو مناوي بيانا يعلن فيه وقوفه، إلى جانب جبريل إبراهيم ومالك عقار، مع الجيش في مواجهته مع قوات الدعم السريع. وأكد إدريس، الذي وافق صراحة على نشر شهادته باسمه، أنه رفض البيان وأبلغ مناوي بأن الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام ليست طرفاً في الحرب، وأنها لا ينبغي أن تتحول إلى قوة عسكرية تقاتل لصالح أحد طرفيها، وأضاف أن مناوي أبلغه خلال الاتصال بأن أمر محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم سينتهي خلال ساعات، وأن هذا التقدير كان وراء قرار الوقوف إلى جانب الجيش، في إشارة إلى اعتقاد مبكر بأن المعركة ستُحسم سريعاً لصالح القوات المسلحة.

ولم تكن تلك المحادثة، بحسب شهادة الهادي إدريس، بعيدة عن اطلاع شخصيات سياسية أخرى، فقد كان يستضيف خلال الأيام الأولى للحرب في منزله بالخرطوم القياديين خالد عمر يوسف وطه عثمان إسحاق، اللذين كانا حاضرين أثناء عرض البيان ومناقشته، وأوضح إدريس أنه تنبه إلى أهمية الاحتفاظ بالرسالة، وطلب منه بعض الحاضرين التقاط صورة للشاشة توثق مضمونها، قبل أن يقوم مناوي بحذف البيان من المحادثة بعد دقائق من انتهاء الاتصال، وتكتسب هذه الواقعة أهمية استثنائية في سياق التحقيق، لأنها تتعلق بمشروع موقف سياسي سابق لاجتماع سنار الذي تحدث عنه مناوي، ولأنها تقدم تفسيراً مختلفاً لطبيعة الخلاف الذي نشأ بين قادة الحركات المسلحة منذ الأيام الأولى للحرب، إذ لم يكن اعتراض الهادي إدريس على مبدأ الحياد، كما قد توحي رواية مناوي، وإنما على إعلان الانحياز إلى الجيش.

ولم تتوقف المعلومات التي حصلنا عليها عند شهادة د. الهادي إدريس، فقد أكد قيادي سابق رفيع المستوى في حركة العدل والمساواة، كان يشغل موقعاً متقدماً في قيادة الحركة خلال تلك المرحلة، أن مناوي وجبريل إبراهيم سحبا البيان الذي أعلن الوقوف إلى جانب الجيش، واتجها إلى إعلان الحياد ظاهرياً بهدف تأمين خروجهما من الخرطوم، وتطابقت هذه الإفادة مع ما أكده د. الهادي إدريس بشأن الأسباب التي دفعت إلى سحب البيان، بما يضع رواية مناوي الأخيرة أمام تناقض جوهري؛ إذ إن الحياد الذي يقدمه اليوم باعتباره قراراً سياسياً مستقلاً اتُّخذ خلال مشاورات سنار، تصفه شهادتان من داخل تلك الأحداث بأنه موقف أُعلن بعد سحب بيان مؤيد للجيش، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحاجة إلى مغادرة العاصمة التي كانت تشهد مواجهات عسكرية عنيفة.

وتكشف شهادة القيادي السابق في حركة العدل والمساواة جانباً آخر من تلك الترتيبات، فقد أكد أنه أجرى اتصالاً مباشراً بعبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، لتنسيق خروج قادة الحركات المسلحة ومرافقيهم ومركباتهم وأسلحتهم من الخرطوم، وبحسب إفادته، فإن الترتيبات شملت مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومالك عقار، إلى جانب عناصر الحراسة والمركبات العسكرية التابعة لحركاتهم، وأن قيادة قوات الدعم السريع أصدرت توجيهات لتأمين مرورهم عبر المناطق الخاضعة لسيطرتها، وأضاف أن مناوي تعهد خلال تلك التفاهمات بالتزام الحياد، وأكد أن الحركات المسلحة لن تقاتل إلى جانب قوات الدعم السريع أو ضدها، وهو التعهد الذي يكتسب دلالة مختلفة عند مقارنته بشهادة الهادي إدريس بشأن مشروع البيان المؤيد للجيش الذي أُرسل قبل ذلك.

وتضمنت المعلومات التي حصلنا عليها تفاصيل دقيقة عن عملية إجلاء مالك عقار، الذي كان موجوداً في منطقة شارع الجمهورية بالقرب من القصر الجمهوري، بعد أن فرّ من جنوده برفقة عناصر حراسته وابنه المصاب في ساقه، وبحسب مصدر مطلع على ترتيبات الإجلاء، فقد تولت قوات الدعم السريع تأمين خروجه من منطقة الخطر، واستخدم عقار دراجة نارية للابتعاد مؤقتاً عن الموقع الذي كان يوجد فيه، قبل استكمال إجراءات المغادرة، وتم نقل ابنه في سيارة صغيرة، ولم تقتصر عمليات الإجلاء على القادة وحدهم، بل شملت سيارات الحركات المسلحة وأسلحتها ومرافقيها، واستمرت حتى المناطق القريبة من حدود ولاية الجزيرة، التي لم تكن قوات الدعم السريع قد دخلتها في تلك المرحلة.

وفي ضوء هذه الشهادات، تصبح رواية مناوي عن اجتماع سنار أكثر إثارة للتساؤلات، فقد قال في التسجيل المصور إن الاجتماع انعقد خلال الأسبوع الثاني للحرب بحضوره وجبريل إبراهيم ومالك عقار والتوم هجو، وإن المجتمعين ناقشوا انهيار مؤسسات الدولة واتفقوا على إصدار بيان يعلن عدم المشاركة في الحرب، والاستمرار في التواصل مع طرفي القتال، والمحافظة على الحياد، كما تحدث عن اتفاقهم على مطالبة عبد الفتاح البرهان بإسناد المسؤوليات التنفيذية مؤقتاً إلى مالك عقار، ومناقشة نقل العاصمة الإدارية من الخرطوم إلى مدني أو بورتسودان، إلى جانب الاتفاق على توجهه إلى دارفور للمشاركة في ترتيبات القوة المشتركة للحركات المسلحة، غير أن مناوي، وهو يستعرض تلك التفاصيل، لم يتطرق إلى البيان الذي إكد د.الهادي إدريس إنه تلقاه في السابع عشر من أبريل وما يزال يحتفظ به، ولا إلى أسباب سحبه، ولا إلى الاتصالات التي جرت مع قيادة الدعم السريع لتأمين خروج قادة الحركات من الخرطوم، رغم أن هذه الوقائع، وفقاً للشهادات التي حصلنا عليها، كانت جزءاً أساسياً من تطورات تلك المرحلة.

ويزداد التناقض وضوحاً عندما يتحدث مناوي عن إرسال بيان الحياد إلى بقية الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، ويقول إن جميع الأطراف وافقت عليه باستثناء الهادي إدريس والطاهر حجر، بينما يؤكد الهادي إدريس أن اعتراضه المبكر كان على مشروع بيان مؤيد للجيش، وأنه ظل متمسكاً برفض المشاركة في الحرب منذ اندلاعها، وهنا لا يتعلق الخلاف بمجرد اختلاف في التقديرات السياسية، وإنما بمضمون البيان الذي طُرح أولاً، والأسباب التي دفعت إلى سحبه، وما إذا كانت رواية الحياد اللاحقة قد أغفلت عمداً موقفاً سياسياً سبق اتخاذه، كما أن رواية مناوي بشأن تأسيس القوة المشتركة تحتاج إلى قراءتها ضمن السياق الزمني للأحداث، فقد وثقت منظمة ACLED نشأة القوة المشتركة في السابع والعشرين من أبريل 2023، باعتبارها إطاراً عسكرياً للحركات الموقعة على اتفاق جوبا، أُعلن أن هدفه حماية المدنيين في دارفور والمحافظة على الحياد بين طرفي الحرب، قبل أن تتغير مواقف بعض مكوناته لاحقاً.

ولم تنتهِ الخلافات بين قادة الحركات المسلحة عند اجتماع سنار أو ترتيبات الخروج من الخرطوم، فقد انتقلت إلى العاصمة التشادية أنجمينا، التي استضافت في يوليو 2023 اجتماعات لعدد من قادة الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، بمشاركة مناوي وجبريل إبراهيم والهادي إدريس والطاهر حجر، وقد وثقت وسائل إعلام سودانية وإقليمية تلك الاجتماعات، التي جاءت في ظل تصاعد الحرب في دارفور وتزايد المخاوف من امتداد آثارها إلى تشاد، غير أن المعلومات التي حصلنا عليها تشير إلى أن النقاشات بين قادة الحركات لم تقتصر على الأوضاع الإنسانية والأمنية، بل شملت خلافات مباشرة بشأن المشاركة في الحرب، حيث جدد الهادي إدريس والطاهر حجر رفضهما دخول الحركات المسلحة في القتال، وأكدا ضرورة المحافظة على موقف مستقل عن الجيش وقوات الدعم السريع.

وبحسب الشهادات التي حصلنا عليها، فإن خلافات اجتماع أنجمينا جاءت في ظل معلومات عن إدخال مناوي أسلحة وطائرات مسيّرة إلى مدينة الفاشر لصالح الجيش، دون علم بقية قادة الحركات المسلحة أو موافقتهم، وهو ما أثار اعتراضات بشأن اتخاذ قرارات عسكرية منفردة تتعارض مع الحياد المعلن، وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة لأنها تتعلق بمرحلة سبقت الإعلان الرسمي عن انحياز مناوي وجبريل إبراهيم إلى الجيش في نوفمبر 2023، وتطرح تساؤلات بشأن توقيت بدء التحركات العسكرية المؤيدة للجيش، والجهات التي أشرفت عليها، ومدى ارتباطها بالتفاهمات السياسية التي جرت منذ الأيام الأولى للحرب، كما أن مناوي لم يتناول في روايته الأخيرة تفاصيل الخلافات التي شهدتها اجتماعات أنجمينا، رغم أنها تمثل محطة مهمة في فهم الانقسام الذي ظهر لاحقاً بين الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا.

ومن بين أخطر المعلومات التي حصلنا عليها خلال تتبع تلك الخلافات، شهادة مصدر عسكري رفيع المستوى، يشغل مواقع قيادية بارزة داخل المؤسسة العسكرية السودانية ، بشأن الظروف التي سبقت قصف منزل الدكتور الهادي إدريس في الخرطوم، وتعود أهمية هذه الشهادة إلى أن المصدر لم يقدم معلومات عن الهجوم بعد وقوعه، وإنما أبلغني مسبقاً بأن المنزل سيتعرض للقصف خلال نصف ساعة، وحدد الهدف والمدة الزمنية المتبقية لتنفيذ العملية، وبحسب ما أفاد به، فإن مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم كانا قد أكدا أن الهادي إدريس لا يقف إلى جانب الجيش في الحرب، وأن القياديين السياسيين خالد عمر يوسف وطه عثمان إسحاق موجودان داخل منزله، في وقت كانت الخلافات بشأن الموقف من الحرب قد بدأت تتسع بين قادة الحركات المسلحة.

وبعد نصف ساعة من تلقي التحذير، وقع القصف الذي كان المصدر العسكري قد أبلغني بقرب حدوثه، وهو تطابق زمني يمنح شهادته أهمية خاصة في فهم طبيعة المعلومات التي كانت متاحة داخل الدوائر العسكرية بشأن العملية قبل تنفيذها، ولا تنفصل هذه الواقعة عن السياق السياسي الذي سبقها، فقد كان الهادي إدريس، وفقاً لشهادته، قد رفض منذ ثالث أيام الحرب مشروع البيان الذي أرسله مناوي لإعلان الوقوف إلى جانب الجيش، وكان خالد عمر يوسف وطه عثمان إسحاق من بين الشخصيات التي اطلعت على تلك الاتصالات، وتثير المعلومات التي قدمها المصدر العسكري تساؤلات خطيرة بشأن ما إذا كانت المواقف السياسية للأشخاص الموجودين داخل المنزل قد استُخدمت في تحديده هدفاً للقصف، وطبيعة الدور الذي أدته المعلومات المنسوبة إلى مناوي وجبريل إبراهيم في السياق الذي سبق الهجوم، وهي أسئلة تتصل مباشرة بالمسؤولية عن القرارات العسكرية، وبالحدود الفاصلة بين الخلاف السياسي والاستهداف المسلح، خصوصاً أن رفض شخص المشاركة في الحرب أو معارضته لأحد طرفيها لا يجعله هدفاً عسكرياً مشروعاً بموجب القانون الدولي الإنساني.

ولم تكن واقعة قصف منزل الهادي إدريس غائبة عن التوثيق المعاصر للأحداث، فقد تناولتها في منشور نشرته على صفحتي في الثالث عشر من سبتمبر 2023، استعرضت فيه معلومات كانت قد وصلتني بشأن الهجوم والظروف المحيطة به، وتكتسب هذه المادة المنشورة في ذلك الوقت أهمية في تتبع التسلسل الزمني للمعلومات التي حصلنا عليها، والتمييز بين ما كان معروفاً خلال الحرب وما أضافته الشهادات اللاحقة من تفاصيل بشأن الاتصالات والخلافات السياسية والعسكرية، كما أن شهادة المصدر العسكري بشأن التحذير المسبق تضع الواقعة ضمن سياق أوسع من مجرد تعرض منزل أحد قادة الحركات المسلحة للقصف، إذ تتعلق بمعلومات عن هجوم وشيك وصلت قبل تنفيذه، وبأسماء شخصيات سياسية كان وجودها داخل المنزل معروفاً، وفقاً لإفادة المصدر، لدى أطراف مرتبطة بالخلاف بشأن الانحياز إلى الجيش.

وفي السادس عشر من نوفمبر 2023، وبعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب، أعلن مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم خلال مؤتمر صحفي بمدينة بورتسودان التخلي عن الحياد والمشاركة في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش السوداني، مبررين القرار بالانتهاكات التي نسباها إلى قوات الدعم السريع، وما وصفاه بالتهديدات التي تواجه المدنيين ووحدة البلاد، غير أن الإعلان كشف بصورة علنية حجم الانقسام داخل الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، إذ أصدر الهادي إدريس والطاهر حجر وحافظ إبراهيم عبد النبي في اليوم التالي بياناً رفضوا فيه اتخاذ القرار باسم جميع الحركات، وأكدوا أنهم لم يفوضوا المشاركين في مؤتمر بورتسودان بالتحدث نيابة عنهم، وأن موقفهم الرافض للمشاركة في الحرب لم يتغير، وقد وثقت وسائل إعلام سودانية تلك المواقف المتعارضة، التي أظهرت أن الخلاف بين قادة الحركات لم يكن مجرد تباين عابر، بل انقساماً سياسياً وعسكرياً بشأن طبيعة العلاقة مع طرفي الحرب.

وعندما عاد مناوي في الرابع والعشرين من يناير 2024 إلى الحديث عن الاتفاق المبكر على الحياد مع جبريل إبراهيم ومالك عقار، قدم موقف الهادي إدريس والطاهر حجر وخميس أبكر باعتباره رفضاً للانضمام إلى ذلك التوافق، مؤكداً أن الهدف من الحياد كان حصر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع ومنع امتدادها إلى بقية البلاد، لكن شهادة الهادي إدريس بشأن بيان السابع عشر من أبريل تقدم تفسيراً مختلفاً لجذور الخلاف، إذ تؤكد أن اعتراضه كان على الانحياز إلى الجيش، وليس على رفض الحرب أو التمسك بالحياد، وهذا الفارق جوهري، لأنه يتعلق بطبيعة الموقف الذي طُلب من بقية الحركات المسلحة تبنيه منذ الأيام الأولى للقتال، وليس بمجرد اختلاف لاحق بشأن كيفية التعامل مع تطورات الحرب.

وتكشف المقارنة بين تصريحات مناوي المتعاقبة والشهادات التي حصلنا عليها عن مسار سياسي وعسكري تتداخل فيه الوساطة التي سبقت الحرب، ومشروع بيان الانحياز إلى الجيش في ثالث أيامها، والتراجع عن ذلك البيان، وإعلان الحياد خلال ترتيبات الإجلاء، ثم اجتماعات سنار وأنجمينا والخلافات بشأن التحركات العسكرية في دارفور، وصولاً إلى إعلان المشاركة في القتال إلى جانب الجيش في نوفمبر 2023، ولا يمكن فصل أي محطة من هذه المحطات عن الأخرى، لأن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بالتاريخ الذي أعلن فيه مناوي وجبريل إبراهيم تغيير موقفهما، وإنما بالتاريخ الذي بدأ فيه اتخاذ القرارات المؤيدة للجيش، وطبيعة التفاهمات التي سبقت الإعلان الرسمي، والأسباب التي دفعت إلى تقديم الحياد للرأي العام باعتباره موقفاً سياسياً مستقلاً.

وبينما يواصل مناوي تقديم رواية عن اتفاق مبكر على الحياد، تؤكد شهادتا الهادي إدريس والقيادي السابق في حركة العدل والمساواة أن ذلك الحياد أُعلن بعد سحب مشروع بيان مؤيد للجيش، وفي سياق ترتيبات الخروج من الخرطوم عبر قوات الدعم السريع، وتضيف شهادات المصادر بشأن اجتماع أنجمينا والتحركات العسكرية في الفاشر جوانب أخرى من الخلافات التي سبقت الإعلان الرسمي عن المشاركة في الحرب، فيما تفتح شهادة المصدر العسكري بشأن التحذير الذي سبق قصف منزل الهادي إدريس ملفاً أكثر خطورة يتعلق بالمعلومات التي كانت متداولة بشأن الشخصيات السياسية الرافضة للانحياز إلى الجيش، وهكذا، فإن الرواية التي يقدمها مناوي عن تلك المرحلة لا تواجه مجرد اعتراض سياسي من خصومه، وإنما تواجه شهادات تتناول أحداثاً محددة وتواريخ وأسماء واتصالات مباشرة، وتقدم تفسيراً مختلفاً للقرارات التي اتخذت منذ الأيام الأولى للحرب.

إن القضية التي يفتحها هذا التحقيق لا تتعلق بحق مناوي أو جبريل إبراهيم في اتخاذ موقف سياسي أو عسكري من الحرب، وإنما بحقيقة ما جرى خلال الفترة التي سبقت الإعلان الرسمي عن الانحياز إلى الجيش، وبمدى دقة الرواية التي قُدمت للرأي العام بشأن تلك الأحداث، فبين بيان يؤكد الدكتور الهادي إدريس إنه تلقاه في السابع عشر من أبريل، وتعهدات بالحياد تقول مصادرنا إنها قُدمت لتأمين الخروج من الخرطوم، واجتماعات شهدت خلافات بشأن المشاركة العسكرية، تبرز أسئلة لا تجيب عنها رواية مناوي الأخيرة: لماذا لم يتحدث عن مشروع البيان الأول؟ ولماذا سُحب؟ وما حقيقة التفاهمات التي سبقت إجلاء قادة الحركات المسلحة؟ ومتى بدأت فعلياً التحركات العسكرية المؤيدة للجيش؟

فالحياد الذي تحدث عنه مناوي باعتباره قراراً سياسياً مستقلاً، تصفه شهادات مباشرة بأنه موقف أُعلن بعد سحب بيان الانحياز إلى الجيش لتأمين الخروج من الخرطوم، وبين الروايتين تكمن الوقائع التي ينبغي أن يعرفها السودانيون، بعيداً عن إعادة كتابة تاريخ الحرب وفقاً للمواقف السياسية التي اتخذها أصحابها لاحقاً.

ومازلنا لم نتحدث عن هجوم مناوي على قائد الدعم السريع لفظيا في لقاء خاص جمعه بأحد قادة الحرية و التغيير، ورفضه لأن يكون هنالك خفض للتصعيد، وأنه يفضل اندلاع الحرب بين الجنرالين ..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.