قبل أسبوعين، توفيت السودانية الشابة مروة أحمد الأمين في دبي، أثناء عملية ولادة توأميها اللذين انتظرتهما 12 عاماً. وكانت الراحلة تعيش مع أسرتها في الإمارات منذ سنوات طويلة.
عمل والد مروة في شرطة دبي، وبعد وفاته، بادرت حكومة دبي إلى توظيف زوجته لمساعدتها على رعاية بناتها، في لفتة وفاء تعكس الاهتمام بالأسرة وتقدير سنوات الخدمة. وبعد رحيل الأم، ظلت البنات يعشن في دبي تحت رعاية حكومتها ومجتمعها، في صورة من صور الوفاء لوالدين عملا في شرطة دبي قبل 43 عاماً، حتى وفاتهما.
وامتداداً لهذا النهج، قامت شرطة دبي بتوظيف زوج الراحلة مروة، عثمان المكي، وشقيقتها، في خطوة استهدفت التخفيف من وقع الفاجعة على الأسرة ومساعدتها على تجاوز هذه المحنة.
وهنا، تبادر إلى ذهني سؤال: ماذا لو حدثت هذه القصة في السودان؟ ولنفترض، على سبيل المقارنة، أن حكومة السودان الحالية، أو أي حكومة سابقة، واجهت وفاة ابنة موظف أمضى خمسين عاماً في خدمة الدولة، وتوفي قبل شهر، لا قبل 43 عاماً؛ فهل كانت ستهتم بأسرته وتبادر إلى مساعدتها؟
أتذكرون حادثة وفاة ست سيدات في يوم واحد داخل غرفة الولادة بمستشفى الخرطوم، بسبب ما قيل إنه استخدام للبنسلين الفاسد، خلال عهد الرئيس المخلوع عمر البشير؟ يومها، هل تحركت الحكومة بالقدر الذي يليق بحجم الكارثة؟
كانت تلك فاجعة تستدعي المساءلة وتحمل المسؤولية، وربما كانت كافية لإسقاط أي حكومة في دولة تحترم حياة مواطنيها. لكن أسر الضحايا تولت دفن ذويها ومواجهة الحزن وحدها، من دون أن تجد، بحسب ما أتذكر، استجابة رسمية توازي حجم المأساة؛ فلا وزير نعى الضحايا، ولا أُعلن الحداد، ولا بدا أن الحادثة أوقفت مظاهر الحياة الرسمية.
ما زلت أتذكر كيف نُقل الخبر عبر وسائل الإعلام ببرود، وكأنه حادث عابر لا يتعلق بفقدان ست أرواح بشرية. وربما كان موت الدجاج يحظى باهتمام أكبر من ذلك الذي حظيت به أرواح النساء الست.
فأين تذهبون من عدالة الله، يا من حكمتم السودان باسم الدين، بينما عجزتم عن صون أرواح مواطنيه وكرامتهم؟
إن الإمارات، في هذه القصة، تقدم نموذجاً للوفاء وتقدير الإنسان، من خلال الاهتمام بأسرة فقدت اثنين من والديها، ثم واجهت فاجعة جديدة برحيل ابنتها الشابة. وهي لفتة تعكس، في نظر كثيرين، قيمة التكافل الاجتماعي والحرص على تخفيف آلام الأسر في أوقات المحن.
كم تدهشنا الإمارات في كل يوم، بما تقدمه من صور الوفاء والنبل والاهتمام بالإنسان، مواطناً كان أم مقيماً، وبما تؤكده من أن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند حدود جنسيته أو مكانته الاجتماعية.
إنها قصة مروة، التي رحلت بعد 12 عاماً من الانتظار، وتركت وراءها حزناً عميقاً، لكنها كشفت أيضاً عن معنى الوفاء حين يتحول من كلمات إلى مواقف عملية تقف إلى جانب الإنسان في أصعب لحظاته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.