الجميل الفاضل يكتب: الإنسان السوداني كائن مائي بامتياز؟!

لم يكن الماء في الوجدان السوداني يوماً مجرد اتحادٍ كيميائي بين ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين (H₂O)، بل كان دائماً حالةً وجودية، وذاكرةً مثقلةً بالأسرار، ومسرحاً مفتوحاً يتجلّى على صفحته شيءٌ من غيب مكنون.

فهذا الإنسان، الذي استوطن جغرافيا مشحونة بالأضداد، لم يرَ في الماء مجرد وسيلة لريّ عطشه المادي، وإنما أدرك فيه منذ البداية الشفرة الأولى التي خُلق منها كل حيّ. وهكذا غدا هو نفسه كائناً مائياً بامتياز، يتخلل الماء كيانه النفسي والثقافي والروحي.

إذ تقوم هوية هذا الكائن على تمثّل طباع النهر في سلوكه الذهني والوجداني؛ فهو يستمد من النيل الأبيض وسكونه الهادئ قدرةً هائلة على الحلم والاحتواء والتسامح، حتى صار مجراه الإنساني يتسع، قبل هذه الحرب، لدرجة من التعايش بلا قطيعة تامة.

لكنه ظلّ، في اللحظات الفارقة من تاريخه، يستدعي جموح النيل الأزرق وغضبه، فينقلب صمته طوفاناً ثائراً وعناداً يأبى الضيم، معيداً دورة الفيضان التي تفرز الأشياء من جديد، كما تجلّى ذلك في ثلاث ثورات شعبية مذهلة.

ولأنه كائن مائي بامتياز، فإنه يسكن البرزخ الحضاري عند مجمع البحرين، صاهراً الأضداد في مجرى واحد لا يبغي فيه ماءٌ على ماء.

ذلك فضلا، عن ارتباط اللفظ القرآني «اليمّ» — تلك المفردة البجاوية — في المخيال السوداني بقدرة الماء على المحو والبعث معاً. ففي لغة البداويت، كان اليمّ ملاذاً آمناً للرضيع موسى، ومقبرةً جارفةً للمستكبر فرعون.

وبالطبع فإن هذا الازدواج جعل السوداني يتعامل مع الماء بهيبة الرجاء والتسليم، يرى في الهدّام والفيضان ابتلاءً للصبر، وفي النهر سعةً للرحمة.

ولذلك، عند نقطة التقاء أنهاره، استقرت رؤية عرفانية تقول إن قطرةً من ماء الحياة هي التي أعادت الحركة إلى حوت موسى الميت عند مجمع البحرين: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

وهكذا تحوّل المقرن إلى رمز حيّ لبعث الروح فيزيائياً ومعنوياً.

على أية حال، في ذلك المكان، ربما يترجم العارف السوداني حقيقة طهارته بالأبيات الإشراقية السامقة التالية:

توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سرٍّ

وإلا تيمم بالصعيد أو الصخرِ

وقدِّم إماماً كنت أنت إمامه

وصلِّ صلاة الفجر في أول العصرِ

فهذي صلاة العارفين بربهم

فإن كنت منهم فانضح البرَّ بالبحرِ

عموماً، فقد تجسّدت هذه المائية المطلقة في طقوس الحياة السودانية كلها، وفي تجليات الأدب والفن.

وللحقيقة، قد لا يكتمل وجود الإنسان السوداني إلا بالماء؛ إذ يُحمل المولود في أسبوعه الأول ليُنضح به، وتُغسل به النفساء طلباً لسرعة البرء وتجديد الدماء، ويُقاد العريس اليه ليلة زفافه في طقس قطع البحر وهزّ جرائد النخل.

وحتى في ذروة الشعر، لم يرَ التجاني يوسف بشير النيل ماءً خاملاً، بل بثّ فيه شيئاً من نور النبوة والقداسة.

ومن البصريات المائية، امتدت هذه الشفرة إلى ريشة إبراهيم الصلحي وأحمد شبرين وحسين جمعان، حيث تدور الحروف والأشكال في دوامات لولبية تشبه فوران عناق ماء المقرن الحميم.

قبل أن تتكدّس ألوان الطمي والكبريت مع أبيض النيل وأزرقه وأحمر الساحل وشُعبه، لتنطلق نحو بحيرات وشلالات جبل مرة في قلول ومرتجلو، ونحو زخارف سواكن الجن، ثم الي نبع توتيل الساحر.

إن النظرة إلى الإنسان السوداني بوصفه كائناً مائياً بامتياز قد تعيد صياغة قراءتنا الحضارية لهذه الأرض.

فهو لم يبنِ حضارته على شواطئ النهر بمحض صدفة، وإنما بنى عقله وروحه من جريان هذا النهر ذاته.

إنه الكائن الذي قرأ في صفحة الماء كتاب الغيب، وتوضأ بالصفاء، وعرف أن الجسد صلصال بشري يتغذّى بالماء الكيميائي، أما الروح فهي سليلة فراديس لا تُروى إلا إذا نضحت برَّ المادة ببحر العرفان.

فالسودانيون قومٌ لا ينبغي أن تستفتي فيهم من غيرهم أحداً، ولا أن تماري فيهم مراءً ظاهراً فحسب، ولا أن تسأل عمّا يفعلون، مهما بدا سيئاً في مظهره، حتى يُحدثوك هم أنفسهم منه ذكراً؛ كما فسّر عرّابهم، الخضر عليه السلام، أفعالاً غريبة مشابهة كان قد فعلها هو أيضاً علي ذات المنوال من قبل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.