لجنة شمال الوادي تختبر سيادة بورتسودان وسط الغضب الشعبي

الخرطوم: عين الحقيقة

أثار إعلان سلطة بورتسودان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن مقتل معدّنين سودانيين في منطقة شمال الوادي موجة من الغضب والانتقادات، وسط تساؤلات متصاعدة عن قدرة الحكومة على حماية مواطنيها، وحدود موقفها الرسمي إزاء الحادثة، وما إذا كانت اللجنة ستكشف الحقيقة أم ستنضم إلى سلسلة اللجان التي تنتهي أعمالها دون نتائج معلنة.

وأعلن مجلس السيادة الانتقالي، الاثنين 12 أكتوبر 2026، تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادثة، تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، على أن ترفع تقريراً بنتائج عملها. كما أعرب المجلس عن تعازيه لأسر الضحايا، مؤكداً أن حماية أرواح السودانيين وصون كرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة.

لكن الإعلان، الذي يفترض أن يمثل خطوة نحو كشف الحقيقة، لم ينهِ الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الشارع السوداني: ماذا حدث تحديداً في شمال الوادي؟ ومن المسؤول عن مقتل المعدّنين؟ وما الإجراءات التي ستتخذها الحكومة إذا أثبت التحقيق تورط جهة بعينها؟

فحتى الآن، لم يحدد بيان مجلس السيادة الجهة المسؤولة عن الحادثة، ولم يكشف حصيلة نهائية للضحايا أو تفاصيل كافية عن ظروف الواقعة، كما لم يحدد موعداً لإنجاز التحقيق وإعلان نتائجه. وهي ثغرات أبقت المجال مفتوحاً أمام الشكوك والتكهنات، وزادت من حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة.

غضب شعبي.. واللجنة لا تكفي

على مواقع التواصل الاجتماعي، قوبل الإعلان بتعليقات غاضبة شككت في جدوى تشكيل لجنة جديدة، ورأت أن القضية تتطلب أكثر من بيان رسمي ووعود بالتحقيق، خصوصاً في ظل المطالبات بتحديد المسؤوليات وضمان عدم إفلات المتورطين من المحاسبة.

وكتب أحد المعلقين: «ما عايزين لجنة، عايزين رد بي ميج عديل»، فيما اكتفى آخر بالقول: «كلام فارغ».

وعبّر معلقون آخرون عن استيائهم مما اعتبروه غياباً لموقف رسمي حاسم، مؤكدين أن حماية المواطنين لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل بإجراءات واضحة تحفظ حقوقهم وتضمن كرامتهم.

وكتب أحد المتفاعلين: «السيادة مسؤولية ومواقف، ما مجرد أسماء ومناصب.. المواطن السوداني يستحق حكومة تدافع عن حقه وكرامته».

وتعكس هذه التعليقات، وإن كانت لا تمثل بالضرورة اتجاهات جميع السودانيين، فجوة واضحة بين ما ينتظره قطاع من المواطنين من موقف حكومي حاسم، وما تضمنه الإعلان الرسمي من تعهدات عامة بالتحقيق وكشف الحقائق.

السيادة تحت المجهر.. أين الموقف الحاسم؟

لم يقتصر الجدل على تشكيل اللجنة، بل امتد إلى طبيعة الاستجابة الحكومية للحادثة، في ظل اتهامات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي للطيران المصري بالوقوف وراء الهجوم.

وتساءل أحد المعلقين: «هو طيران دخل دولتك وما نزلته، تجي تقول تقصي حقائق؟»، في إشارة إلى اعتقاده بأن الجهة المنفذة معروفة، فيما طالب آخرون الحكومة بتوضيح ما لديها من معلومات بشأن مصدر الهجوم والظروف التي أحاطت به.

غير أن هذه الاتهامات تظل مواقف وآراء متداولة لم يثبتها بيان مجلس السيادة، الذي لم يسمِّ الجهة المسؤولة عن الحادثة. ولذلك، فإن تحديد المسؤولية يظل مرهوناً بأدلة موثقة وتحقيق مهني مستقل عن الضغوط السياسية وردود الفعل الشعبية.

لكن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولية توضيح ما تعرفه للرأي العام، وشرح الإجراءات التي اتخذتها لحماية المواطنين ومتابعة القضية. فالصمت عن التفاصيل، أو الاكتفاء ببيانات عامة، لا يبدد الشكوك، بل يترك مساحة أوسع للشائعات والتأويلات.

اختبار المصداقية.. هل تُعلن النتائج؟

تواجه لجنة التحقيق اختباراً يتجاوز جمع المعلومات ورفع تقرير إلى الجهات المختصة؛ إذ تتعلق مصداقيتها بقدرتها على الوصول إلى الحقائق، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، والإعلان عن النتائج للرأي العام، مع توضيح الإجراءات القانونية التي ستترتب عليها.

كما تبرز الحاجة إلى جدول زمني واضح لعمل اللجنة، وضمانات تحول دون إبقاء القضية معلقة إلى أجل غير معلوم، فضلاً عن توضيح حصيلة الضحايا وظروف الحادثة، بما يحفظ حقوق أسرهم ويمنع تضارب المعلومات.

ولم يحدد مجلس السيادة موعداً لانتهاء التحقيق أو نشر نتائجه، ما يثير تساؤلات بشأن المدة التي سيظل خلالها الرأي العام في انتظار إجابات رسمية عن حادثة أثارت غضباً واسعاً.

وبينما تتمسك الحكومة بخيار تقصي الحقائق، يظل التحدي الحقيقي في الانتقال من إعلان تشكيل اللجنة إلى تحقيق نتائج ملموسة، تثبت أن حقوق المواطنين ليست مجرد عبارات ترد في البيانات الرسمية.

ففي قضية تمس أرواح السودانيين وكرامتهم، لن يكون تشكيل اللجنة نهاية الأزمة، بل بداية اختبار جدي لمصداقية الحكومة وقدرتها على تحمل مسؤولياتها.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تكشف لجنة التحقيق حقيقة ما جرى في شمال الوادي، وتحدد المسؤولين بشفافية، أم تبقى القضية معلقة بين الغضب الشعبي والوعود الرسمية؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.