الجميل الفاضل يكتب: إلى روح الفتى «الطيب».. صيد الفولاذ الطائر؟!
للطيور حيزٌ تفرد فيه أجنحتها، وللسلاحف دروعٌ تدافع بها عن نفسها.
لكل شيء هنا ما له، إلا هذا الفتى «الطيب».
للنمل بيوته، وللمكان جحوره، وللجحور فئرانها، وللأرض تجاويفها، وللمُعدِّن خيطٌ أصفر ضئيل يعرق ويلهث وراءه.
لكن هنا أيضًا سربٌ من الفولاذ طائر، يرمي كل من تسوّل له نفسه أن يحلم بالحياة، يطارده كشبحٍ على أرضٍ جرداء بلا غطاء. هكذا من محجرٍ شحيح الضوء بشمال الوادي يندلع نوعٌ جديد من الحروب على مظانّ أرزاق البؤساء، المجازفين بحياتهم من أجل اقتلاع مجرد لقمة عيش.
فأيُّ عالمٍ هذا الذي يمنح الطائر جناحين، ثم يترك الإنسان عاريًا أمام الموت؟
أبدأ من الإنسان، لا من جواز سفره؛ من دمه، لا من جنسيته.
ناهيك عن أن يكون هذا الإنسان نفسه هو ابن أرضه تلك؛ له وطنٌ وسيادة، وكرامةٌ لا ينبغي أن تجعلها هشاشةُ دولته مستباحة، ولا تمنح في الوقت ذاته جارةَ بلاده حقَّ الوصاية عليها.
وهنا ينهض سؤالٌ عريض من ركام التاريخ: حلايب وشلاتين وأبو رماد، وذاكرة الطيران نفسه في مجزرة الجزيرة أبا، والتدخلات المستمرة في شؤون السودان، ووقائع القصف المتكرر الأخيرة التي تستوجب التحقيق والمساءلة.
إنها خيوطٌ متفرقة، لكنها تنسج في الوجدان السوداني مراراتٍ ثقيلة تفتح سؤالًا: أترى القاهرة السودان جارًا مستقلًا، أم فناءً خلفيًا لا ينبغي له أن يخرج من مدارها؟
صحيح أنه لا يكفي أن نُحمّل الخارج خطايانا، لكن مسألة السيادة ليست هامشًا، كما أن حقيقة الجوار ليست اسمًا مهذبًا للوصاية.
وللحقيقة، فمن لا يحترم استقلال جاره لا يمنحه حبًّا؛ بل يطلب منه طاعةً ترتدي ثوب المحبة.
فمصر، المحاصرة بأزمات جوارها من غزة إلى ليبيا والسودان، والمثقلة بأوجاعها الداخلية، أحوج ما تكون إلى جوارٍ آمن، لا إلى جوارٍ خائف. فالسودان المنهك لا يصنع أمنًا لمصر، والسودان الخاضع لا يصنع صداقة.
قد تنتزع مصر بالقوة صمتًا رسميًّا، لكنها لا تزرع ثقة؛ وقد تعبر طائراتها الحدود، لكنها لا تعبر جراح الشعوب.
ولعل التاريخ، الذي شهد حكم كوش لعرش مصر تسعين عامًا، يذكّرنا بأن موازين القوة لا تدوم.
بيد أني لا أفتش الآن في الماضي عن نبوءة بانكسار شعبٍ وانتصار آخر؛ فما قيمة أن يتبادل الغالب والمغلوب مواقعهما، إذا ظل إنسانهما مهزومًا في كلا الحالين؟
أتذكر حكمة قديمة تقول: حين يريد القدر إنفاذ أمره، يسلب العقول رشدها؛ فإذا مضى الأمر عاد العقل وحاقت الندامة.
كم من حربٍ بدأت بوهم القوة وانتهت بذاكرةٍ لا تنسى؟ وكم من رصاصةٍ أُطلقت لتطوي قضية، فإذا بها تفتح في صدر شعبٍ قضيةً أخرى؟ لكن القدر ليس عذرًا للمسؤولية، والندامة ليست بديلًا من العدالة.
أعود إلى الفتى الطيب؛ إلى أمٍّ ربما تنتظره، وأخٍ صغير قد لا يعرف من السياسة إلا غياب أخيه، وبيتٍ معلّقٍ بخيط هذا الذهب الذي ظل الطيب يطارده بدأب في جوف الأرض.
ما ذنب هذا الفتي كي يموت في معركة لم يخترها؟ وما ذنب شعبٍ أنهكته الحروب حتى يُضاف إلى خوفه خوفٌ من دولة جاره؟
عمومًا، للطيور أجنحتها، وللسلاحف دروعها، وللنمل بيوته، وللأرض تجاويفها.
فهل نترك للإنسان حقَّه في العيش والحياة؟
أم ننتظر أن يمضي الأمر، وتعود العقول، وتقع الندامة؛ بينما يكون الفتى قد صار ترابًا، ويكون سرب الفولاذ قد عاد إلى سمائه كأن شيئًا لم يكن، بل ربما ليعيد الكرة تارة أخرى؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.