لم يخرجوا بحثاً عن الحرب أو الدماء، بل عن لقمة عيش تحفظ كرامتهم، وتسُدّ رمق أسرهم الجائعة، وعن أمل صغير يعيد إليهم الحياة بعد أن أنهكتهم الحرب والفقر والنزوح.
حملوا أحلامهم في أدوات تقليدية للتعدين، واتجهوا إلى الصحراء بحثاً عن الذهب، إلا أن رصاص الحدود كان يتربص بهم.
إن الأنباء التي وردت عن مقتل معدّنين سودانيين قرب الحدود المصرية، والاتهامات الموجّهة إلى الجيش المصري باستهدافهم، ومقتل أكثر من 200 شاب سوداني، تضعنا أمام مأساة إنسانية تستوجب الإدانة والتحقيق المستقل والمحاسبة العاجلة.
فأي قانون يمنح جيشاً الحق في تحويل الباحثين عن الرزق والعمل إلى أهداف عسكرية؟ وحتى إن وُجدت تجاوزات حدودية أو مخالفات تتعلق بالتعدين، فهل أصبحت عقوبتها الموت العاجل؟
إن العلاقات الأزلية بين الشعبين السوداني والمصري أكبر من أن تُختزل في موقف عسكري، لكنها أيضاً لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يُغضّ الطرف، بصمت، عن الدم السوداني. فالأخوّة الحقيقية لا تُقاس بالخطب واللقاءات الرسمية وتبادل المنافع، وإنما باحترام سيادة الدول والإنسان وكرامته وحقه في الحياة.
ومن موقعنا الإنساني، ندين بشدة هذه الهجمات الدامية، ونطالب السلطات المصرية بتقديم تفسير واضح وشفاف للاتهامات الموجّهة إلى قواتها، والتعاون الكامل مع التحقيق المستقل، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين وعدم احترام سيادة الدولة السودانية وحقوق إنسانها.
كما نطالب بتأمين وصول الفرق الطبية والإنسانية إلى المناطق المتضررة، وإجلاء الجرحى، والكشف عن مصير المفقودين، وإنصاف أسر القتلى.
فالسودانيون الذين أفقدتهم الحرب بيوتهم وأحباءهم لا يحتاجون إلى مقابر جديدة على الحدود، ولا إلى مزيد من الدماء برصاص القوات المصرية التي تؤكد، عبر منابرها وخطبها، أننا شعب واحد.
هؤلاء الشباب لم يطلبوا المستحيل؛ أرادوا فقط أن يعملوا، وأن يأكلوا من عرق جبينهم، وأن يعودوا إلى أمهاتهم بشيء من المال والآمال لبناء حياة دمّرتها الحرب، وما زالت تواصل تدميرها.
الذهب ليس أغلى من الإنسان، ودماء شباب السودان ليست شأناً حدودياً عابراً، بل قضية كرامة وعدالة لا تسقط بالصمت.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.