«إجهاض مساعي الحل».. كيف تعرقل شبكات التيار الإسلامي جهود إيقاف الحرب في السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023، لم تتوقف الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار والجلوس إلى مائدة التفاوض للوصول إلى تسوية سياسية تحقن دماء المدنيين. ورغم تمدد رقعة الكارثة الإنسانية ووصول البلاد إلى حافة المجاعة، إلا أن كافة المبادرات السلمية ظلت تصطدم بحائط مسدود. وتتطابق قراءات العديد من المراقبين والتقارير الاستخباراتية والسياسية على أن أحد أبرز المعرقلين الأساسيين لأي مسار جدي للسلام هو شبكات التيار الإسلامي وجماعة «الإخوان المسلمين» (الحركة الإسلامية السودانية)، التي تسعى عبر أدواتها المختلفة إلى إطالة أمد الصراع لضمان استعادة نفوذها السياسي الذي خسرت الجزء الأكبر منه بثورة ديسمبر المجيدة.
جذور التمكين
إهمال أو استبعاد دور التيار الإسلامي في قراءة المشهد السوداني الحالي قراءة مضللة؛ فهذا التيار الذي حكم البلاد طيلة ثلاثة عقود (1989 – 2019) لم يغب يوماً عن مفاصل الدولة العميقة، ولا سيما المؤسستين العسكرية والأمنية والقطاع الاقتصادي. ومع تفجر المواجهات المسلحة، سارعت قيادات الحركة الإسلامية إلى إعادة ترتيب صفوفها تحت غطاء “المقاومة الشعبية” والكتائب العقائدية (مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها)، لتدخل طرفاً غير رسمي ولكن نافذ في مسار المعارك. هذا التغلغل منحهم قدرة فائقة على التأثير المباشر على قرار استمرار الحرب، حيث يعتبرون أن أي تسوية سياسية تعيد هيكلة الجيش أو تبعدهم عن المشهد تمثل “نهاية وجودهم التاريخي”، وهو ما يجعلهم يفضلون حرق ما تبقى من الوطن على قبول أي صيغة سلام تفاوضية.
آليات وأساليب تعطيل مسارات السلام
تتعدد الأساليب التي تنتهجها شبكات الإسلاميين لنسف أي جهود إقليمية أو دولية تهدف إلى التهدئة، ومن أبرزها: الخطاب التعبوي والتخوين الممنهج: حيث تنشط الآلة الإعلامية والكتائب الإلكترونية التابعة للتيار في وصم أي دعوة للسلام أو وقف إطلاق النار بـ “الخيانة والعمالة للخارج”، ومهاجمة الوسطاء الإقليميين والدوليين (مثل منظمة الإيقاد والولايات المتحدة والمملكة السعودية ومنبر جدة)، مما يخلق مناخاً عاماً يرفض الحلول السلمية ويغذي النعرات الجهوية والعرقية.
الضغط الميداني والسيطرة على القرار العسكري: فمن خلال تواجدهم داخل غرف العمليات وصفوف المقاومة الشعبية، يمارس قادة التيار الإسلامي ضغوطاً سياسية وبدنية مستمرة لمنع أي قائد عسكري من الجنح إلى التهدئة أو تقديم تنازلات في طاولات التفاوض، ملوحين بالاستزاع والتصفية المعنوية أو الجسدية لكل من يتحدث عن الحل السلمي.
عرقلة المسارات الإنسانية: حيث يخشى الإسلاميون من أن تؤدي الهدن الإنسانية الطويلة أو فتح الممرات الآمنة إلى خلق واقع سياسي جديد يهمشهم، ولذلك تسعى عناصرهم المتنفذة في الإدارات البيروقراطية والأمنية إلى وضع العراقيل أمام إيصال الإغاثة وفرض شروط تعسفية على المنظمات الدولية لتعطيل أي هدنة قد تفضي إلى تفكيك اقتصاد الحرب الذي يستفيدون منه.
شبكة عرقلة السلام: [الإعلام التعبوي والتخوين] ──> تأليب الشارع وضغط شعبي ضد الهدن، [الكتائب العقائدية] ──> الضغط العسكري الميداني على القيادات، [البيروقراطية العميقة] ──> إفشال إيصال المساعدات وفرض الشروط التعسفية.
آراء ومواقف الخبراء والمحللين لـ «عين الحقيقة»
استطلعت «منصة عين الحقيقة» آراء عدد من الخبراء الاستراتيجيين والمحللين السياسيين لتفكيك دور التيار الإسلامي في إعاقة التسويات: د. محمد المهدي (باحث في الحركات الإسلامية والتحولات السياسية): يؤكد لـ«عين الحقيقة» أن الحركة الإسلامية في السودان تتعامل مع الحرب باعتبارها “معركة وجود أو لا وجود”. ويرى أن قيادات التيار أدركوا تماماً أن أي تسوية سياسية حقيقية تنهي الحرب ستعني بالضرورة خضوعهم للمحاسبة الإقليمية والدولية وملاحقتهم قضائياً عن جرائم تقويض الديمقراطية والفساد المالي وإشعال الحرب، ولذلك فإن استراتيجيتهم الثابتة هي “تخريب أي منبر تفاوضي” عبر افتعال العراقيل أو اشتراط شروط تعجيزية تضمن استمرار نزيف الدم.
الأستاذ محمد أحمد (محللة سياسية وصحفية استقصائية): تشير لـ«عين الحقيقة» إلى أن شبكات ما يُسمى بـ “الدولة العميقة” قد سيطرت بشكل شبه كامل على مصادر تمويل المجهود الحربي الداخلي، واستطاعت عبر شبكات تجارية ومالية معقدة أن تؤسس “اقتصاد حرب خاص” بها. وتقول: “إن إيقاف الحرب يعني انهيار هذه الإمبراطورية المالية والسياسية، وهذا هو السر الحقيقي خلف تعنتهم ورفضهم لأي جهود سلام، حيث يتحكم هؤلاء في قرار السلم الحرب من خلف الستار دون اكتراث لملايين النازحين والقتلى”.
تؤكد المعطيات والوقائع الميدانية والسياسية أن وجود شبكات التيار الإسلامي وجماعة «الإخوان المسلمين» داخل المشهد السوداني، واستحواذهم على أدوات الضغط العسكري والإعلامي، يشكلان العقبة الرئيسية الأكبر أمام أي مسعى جاد لإيقاف الحرب. إن أي تسوية مستقبلية مستدامة في السودان لن تنجح ما لم تتضمن آليات حقيقية لتفكيك هذه الشبكات العميقة، وقطع دابر التدخلات الأيديولوجية التي تتخذ من دอน ومصير الشعب السوداني وقوداً لمعاركها السياسية الخاسرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.