من يُنتج مَن في السودان؟ هل الجهل سبب التخلف أم أن التخلف هو الذي يعيد إنتاج الجهل؟
محمد سراج محمد
ليس السؤال ترفاً فلسفياً في بلدٍ تتنازعه الأزمات، بل هو سؤال سياسي بامتياز: هل تعثّر التعليم في السودان نتيجة الفقر والحروب وسوء الإدارة، أم أن استمرار هذا التعثّر أصبح جزءاً من بنية تعيد إنتاج التخلف وتضمن بقاء أسبابه؟
فالتعليم ليس مجرد فصولٍ ومناهج وامتحانات وشهادات تُعلَّق على الجدران؛ إنه مشروع لبناء المواطن، وتشكيل الوعي، وإنتاج العقل النقدي القادر على مساءلة السلطة ومقاومة التضليل. لكن حين يُختزل في أهدافٍ إجرائية، وتُقاس نجاحاته بعدد الناجحين لا بقدرتهم على التفكير، يصبح السؤال عن الغاية الحقيقية للتربية والتعليم سؤالاً عن طبيعة الدولة نفسها.
فهل تريد الدولة تعليماً يصنع مواطناً يسأل، أم تعليماً يصنع موظفاً يحفظ وينفّذ؟
المفارقة أن الجهل لا يحتاج دائماً إلى قرارٍ رسمي كي ينتشر؛ يكفي أن يُترك التعليم بلا تمويل كافٍ، والمعلم بلا إنصاف، والمدرسة بلا استقرار، والمناهج بلا مراجعة نقدية. عندها تتولى الأزمات المهمة، ويصبح الحرمان من المعرفة نتيجةً تبدو طبيعية لواقعٍ صُنع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
وهنا تكتمل الدائرة: التخلف يضعف التعليم، وضعف التعليم يحدّ من القدرة على تغيير شروط التخلف. إنها علاقة تبادلية لا تبرّئ المجتمع من مسؤولياته، ولا تسمح للسلطة بالاختباء خلف شماعة الفقر والحرب؛ فالأزمات تفسّر جانباً من الانهيار، لكنها لا تعفي صانعي السياسات من مساءلة الأولويات والخيارات.
أما الأهداف العامة للتربية والتعليم، فليست نصوصاً أنيقة في وثيقة رسمية، بل التزامٌ سياسي قابل للمحاسبة: هل تنتج المدرسة مواطناً حراً، أم تابعاً مطيعاً؟ هل تعلّم الطالب كيف يفكر، أم ماذا يردّد؟ وهل تفتح أبواب المستقبل أمام الجميع، أم تعيد توزيع الفرص وفقاً للامتياز الاجتماعي والجغرافي؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم ليس أن يفشل في القضاء على الجهل، بل أن يتحول الفشل إلى أمرٍ مألوف، ثم يُطلب من المجتمع أن يتعايش معه.
وفي السودان، لا يكفي أن نسأل لماذا تراجع التعليم؛ بل ينبغي أن نسأل: من يتحمل مسؤولية إنقاذه، وما موقعه الفعلي في سلم الأولويات الوطنية؟
فالدول لا تتخلف لأنها تجهل فقط، ولا تجهل لأنها متخلفة فقط؛ إنها قد تدخل في حلقة مفرغة حين تعجز عن تحويل التعليم إلى أولوية عامة، والمعرفة إلى قوة إنتاج، والمواطن إلى شريك في صناعة المستقبل.
والسؤال الذي ينبغي أن يقلق صانع القرار ليس: لماذا يجهل الناس؟ بل: أيُّ نظامٍ من السياسات والظروف يجعل الجهل قابلاً للاستمرار، ويجعل إصلاح التعليم مؤجلاً إلى أجلٍ غير مسمّى؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.