تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، وسط مساعٍ لتوحيد المبادرات المطروحة وتنسيق جهود الوساطة الإقليمية والدولية، في وقت لا تزال فيه الخلافات بشأن المشاركة السياسية وملكية عملية السلام تعرقل بناء مسار جامع قادر على إنهاء القتال.
وبين مشاورات الآلية الخماسية مع القوى المدنية والدعوات إلى الربط بين مبادرتي الرباعية والخماسية، تبرز تساؤلات بشأن قدرة هذه التحركات على تجاوز تعدد المنابر، وتحويل التوافق على ضرورة وقف الحرب إلى خطوات عملية تنهي معاناة السودانيين.
وشهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في 12 أكتوبر الجاري، اجتماعاً بين الآلية الخماسية ووفد من القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها، لبحث سبل إنهاء القتال وإطلاق عملية سلام بقيادة وملكية سودانيتين.
وضم الوفد ممثلين لقوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، ومنظمات المجتمع المدني، والشبكات النسوية والشبابية، إلى جانب شخصيات عامة.
وأكدت القوى المشاركة أولوية التوصل إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات. كما طرحت رؤيتها لعملية سلام تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: الاستجابة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والحوار السياسي لمعالجة جذور الأزمة وإرساء سلام شامل وانتقال مدني ديمقراطي مستدام.
وشددت القوى المدنية على ضرورة مشاركتها في تصميم العملية السياسية وقيادتها وفق معايير عادلة تحول دون هيمنة أي طرف، داعية إلى توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية ضمن مظلة تنسيقية تشمل الرباعية والخماسية والترويكا.
وطالبت بتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الفظائع، مع رفض إضفاء الشرعية على سلطات الأمر الواقع التي أفرزها النزاع.
وفي السياق ذاته، رحب حزب الأمة القومي بنتائج الاجتماع، داعياً الآلية الخماسية إلى تسريع المشاورات المتعلقة بتصميم عملية سياسية شاملة تستند إلى رؤية مدنية مشتركة، وتنهي الحرب، وتمهد لاستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
وحذر الحزب من استمرار التدهور الإنساني والاقتصادي، وتصاعد العمليات العسكرية والعنف وخطابات الكراهية، مطالباً المجتمع الدولي بتكثيف الاستجابة الإنسانية.
وعلى صعيد متصل، قال المتحدث باسم التحالف الوطني السوداني، شهاب إبراهيم، لمنصة «صحيح السودان»، إن الاجتماع ناقش رؤية القوى المناهضة للحرب والإجراءات الممكنة لإطلاق حوار سياسي، فضلاً عن آليات الربط بين مبادرتي الرباعية والخماسية في مسارات وقف إطلاق النار، وفتح المسارات الإنسانية، ودفع العملية السياسية.
وفي تحرك موازٍ، أعلن مكتب العلاقات الخارجية لتحالف قوى التغيير الجذري، في تصريح صحفي بتاريخ 15 أكتوبر، استمرار التواصل مع ممثلي الآلية الخماسية، والاتفاق على عقد اجتماع متابعة خلال الفترة المقبلة، إلى جانب الترتيب للقاء بين ممثلي التحالف واللجنة الفنية التابعة للمجموعة.
وأكد التحالف أن الحل الشامل يبدأ بوقف الحرب وتأمين الممرات الإنسانية، وصولاً إلى عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي.
لكن مساعي توسيع المشاركة لا تزال تواجه تحديات؛ إذ اعتذر تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» عن المشاركة في اجتماع أديس أبابا، وطلب تأجيله إلى الشهر المقبل بسبب ترتيبات داخلية، وفق ما نقلته صحيفة «صوت الأمة» عن مصدر مطلع.
ويعيد ذلك إلى الواجهة إشكالية مشاركة مختلف القوى السياسية، ومدى القدرة على بناء توافق يتجاوز التباينات بشأن أطراف العملية السياسية وشروط المشاركة فيها. كما يطرح تساؤلات حول قدرة الآلية الخماسية على إدارة الخلافات، ومنع تعدد المبادرات من التحول إلى عامل إضافي يعقّد فرص التسوية.
الخماسية أمام اختبار النتائج
لا يقتصر التحدي أمام الآلية الخماسية على جمع المبادرات أو مواصلة المشاورات، بل يمتد إلى صياغة مسار تنسيقي واضح يربط بين الجوانب الإنسانية والعسكرية والسياسية، ويضمن مشاركة سودانية فاعلة في صياغة الحل، مع وضع آليات عملية لمتابعة تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
فالمشكلة لا تكمن في نقص المبادرات أو غياب الاجتماعات، بقدر ما ترتبط بمدى قدرة الوساطات على تحويل التصريحات والبيانات إلى ضغوط مؤثرة تدفع أطراف الحرب نحو وقف القتال. وبعد سنوات من الدمار والنزوح والانهيار الإنساني، لم يعد مقبولاً أن تظل عملية السلام أسيرة تعدد المنابر والمساومات السياسية، بينما يدفع المدنيون الثمن من أرواحهم ومواردهم ومستقبلهم.
ويضع استمرار الحرب الخماسية أمام اختبار حقيقي لفاعلية دورها؛ إذ إن توحيد المبادرات لن تكون له قيمة ما لم يقترن بجدول زمني واضح، وضمانات لوقف إطلاق النار، وآليات لمراقبة الالتزام، وخطوات ملموسة لحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية.
وفي المقابل، تتحمل القوى السودانية المناهضة للحرب مسؤولية تجاوز الحسابات الضيقة، وتقديم أرضية مشتركة تضع إنهاء القتال فوق صراعات النفوذ والتمثيل السياسي. فالتوافق على السلام لا يمكن أن يتحقق إذا تحولت المبادرات إلى ساحات للتنافس على المواقع أو للحصول على اعتراف سياسي، بدلاً من كونها أدوات لإنقاذ البلاد من الانهيار.
من تعدد المبادرات إلى وقف الحرب
لا يحتاج السودانيون إلى مبادرة جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات القائمة، ولا إلى اجتماع آخر ينتهي ببيان يعيد تأكيد المواقف السابقة؛ بل يحتاجون إلى وقف حقيقي لإطلاق النار، وضمانات لوصول المساعدات، وعملية سياسية تعالج جذور الأزمة ولا تعيد إنتاج أسبابها.
أما استمرار الدوران في حلقة المشاورات، من دون نتائج ملموسة أو مساءلة عن الانتهاكات، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب وتعميق الكارثة الإنسانية، ويثير تساؤلات جدية حول جدوى الوساطات وقدرتها على إحداث اختراق حقيقي.
ويبقى السؤال أمام الخماسية والقوى السودانية: هل تتحول هذه التحركات إلى مسار موحد يفرض استحقاقات واضحة على أطراف الحرب، أم تنتهي كسابقاتها إلى تفاهمات معلقة وبيانات بلا تنفيذ؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل المبادرات المطروحة، بل ستكشف أيضاً ما إذا كانت جهود الوساطة قادرة على وضع حد لمعاناة السودانيين، أم أن الحرب ستظل تتقدم بينما تتأخر السياسة عن أداء دورها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.