كشفت نتيجة قبول كليات التربية في الجامعات السودانية للعام 2026م، والتي أعلنتها حكومة بورتسودان، عن أرقام وصفها تربويون بأنها جرس إنذار يستحق التوقف طويلاً لمستقبل مهنة التعليم في البلاد.
وبحسب الإحصائية، فقد بلغ العدد المخطط للقبول في كليات التربية هذا العام 32,110 مقعداً، لم يُشغل منها سوى 11,544 مقعداً فقط بنسبة 35.95%، فيما ظلت 20,566 مقعداً شاغرة بنسبة 64.05%.
فجوة نوعية حادة
ولم تتوقف المفارقة عند حجم الشواغر، بل امتدت إلى التركيبة النوعية للمقبولين. فقد بلغ عدد الذكور المقبولين 1,163 طالباً فقط بنسبة 10.08% من إجمالي المقبولين، مقابل 10,381 طالبة من الإناث بنسبة 89.92%، وهو ما يشير إلى عزوف شبه كامل للذكور عن مهنة التعليم ويطرح تساؤلات حول استدامة الكادر التعليمي في المراحل القادمة.
لماذا لم تعد التربية خياراً جاذباً؟
ويقول الأستاذ عبد العظيم عبد الله في تعليقه على الأرقام: نحو 64% من المقاعد المخططة ظلت شاغرة. هذه الأرقام تطرح سؤالاً مقلقاً: لماذا لم تعد كليات التربية خياراً جاذباً لشريحة واسعة من الشباب السوداني؟
ويضيف: هل يمكن فصل هذه الظاهرة عن تدني أجور المعلمين وتأخر مستحقاتهم وتراجع مكانتهم الاجتماعية وضعف فرص التطور المهني، في ظل أوضاع اقتصادية وحرب أثقلتا كاهل الأسر؟ حين يرى الشاب أن مهنة التعليم لا تضمن له حياة كريمة، فمن الطبيعي أن يبحث عن بدائل أخرى. المشكلة ليست في غياب الوعي بقيمة التعليم، بل في اتساع الفجوة بين عظمة الرسالة وقسوة الواقع.
من الوعي إلى العزوف
وفي الاتجاه ذاته، يرى خبير تربوي – فضل عدم الكشف عن اسمه – أن عزوف هذا العام يمثل نوعاً من الوعي المجتمعي. وقال: من إيجابيات القبول لهذا العام عزوف الطلاب عن التقديم لكليات التربية، حتى ناس 50% عافوا كليات التربية. جامعات كثيرة القبول لكليات التربية صفر، لم تجد ولا طالب ولا طالبة. التعليم استثمار والكليات الجامعية ينبغي النظر إليها من ناحية بعد ما أتخرج ح اشتغل شنو؟ معقول أب ينفق على ولده دم قلبه في الآخر يطلع ليهو مدرس بمرتب 60 و70 و80 ألف.
ويختتم الخبير تعليقه بعبارة متداولة: المعلم لا رسول ولا كاد أن يكون رسول، المعلم شخص مقهور.
ما وراء الأرقام.. تهديد لجودة التعليم
ويحذر محللون من أن المأساة الحقيقية تتجاوز مقاعد الجامعات الشاغرة. فإذا استمر العزوف، قد تواجه المدارس مستقبلاً نقصاً حاداً في المعلمين المؤهلين وعجزاً في بعض التخصصات، وضغوطاً إضافية على المعلمين الموجودين، بما يهدد جودة التعليم وتكافؤ الفرص.
ويؤكد التربويون أن تقدير حجم الخطر يتطلب مقارنة أرقام القبول لعدة سنوات، ودراسة أعداد المتقدمين ونسب التسجيل والتخرج والتوظيف.
الحل.. جعل المهنة تستحق الاختيار
ويخلص عبد العظيم عبد الله إلى أن السودان الذي يحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، يحتاج قبل كل شيء إلى بناء الإنسان، ولا يمكن تحقيق ذلك دون معلم مؤهل ومستقر ومحفوظ الكرامة.
ويضيف: الحل ليس في مطالبة الشباب بحب مهنة التعليم، بل في جعلها مهنة تستحق أن يختاروها، وذلك يبدأ بتحسين الأجور وضمان الحقوق وتطوير كليات التربية وتوفير مسارات مهنية واضحة وربط القبول الجامعي باحتياجات المدارس الفعلية. فالمعلم ليس مجرد موظف داخل الفصل، إنه أساس العملية التعليمية وأحد أهم شروط نهضة المجتمع.
ويبقى السؤال الذي تطرحه الأرقام: هل نقرأ هذه النتيجة باعتبارها مجرد نتيجة قبول جامعي، أم جرس إنذار يستدعي مراجعة وطنية جادة لمستقبل المعلم والتعليم في السودان؟ فالأوطان لا تنهض بتشييد المباني وحدها، بل بإنصاف الإنسان الذي يبني عقول أبنائها.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.