هناك نوع من العلاقات لا يقوم فقط على تبادل المصالح، بل على استمرار حاجة أحد الأطراف إلى الطرف الآخر. ففي مثل هذه العلاقات، لا تصبح مساعدة المحتاج غاية في حد ذاتها، وإنما قد تتحول حاجته المستمرة إلى مصدر نفوذ، وتصبح قدرته على الاستقلال تهديداً لمعادلة اعتاد الطرف الأقوى الاستفادة منها.
هذه الفكرة، التي يمكن ملاحظتها في بعض العلاقات الإنسانية، تفتح باباً مهماً للتأمل في طبيعة العلاقة بين السودان ومصر، وفي السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون بصراحة: هل تريد مصر سوداناً قادراً على الوقوف على قدميه، أم سوداناً تظل حاجته إليها جزءاً ثابتاً من معادلة العلاقة بين البلدين؟
ليس المقصود هنا الجزم بأن الدولة المصرية تتبنى هذه الرؤية، أو أن جميع مواقفها تجاه السودان تنطلق من هذا المنطق، فذلك يحتاج إلى أدلة وتحليل موثق. لكن السؤال مشروع، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوة بين الدولتين، وتعقيدات الحرب السودانية، وتزايد حاجة السودانيين إلى الدعم الإنساني والسياسي والاقتصادي.
الخوف من الاستغناء
في العلاقات الإنسانية، قد يخشى بعض الأشخاص فقدان مكانتهم عندما يشعرون بأن الآخرين لم يعودوا بحاجة إليهم. وبدلاً من بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، يسعون إلى ترسيخ الاعتقاد بأن الاستغناء عنهم مستحيل، وأن الابتعاد عنهم سيقود بالضرورة إلى الخسارة أو الأزمات.
وعندما تنتقل هذه الفكرة إلى العلاقات بين الدول، فإنها تصبح أكثر تعقيداً. فالدول لا تتعامل بالعواطف وحدها، وإنما تحركها المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية وحسابات النفوذ الإقليمي.
ومع ذلك، فإن جوهر السؤال يظل قائماً: هل تُقاس قوة العلاقة بين دولتين بحجم اعتماد إحداهما على الأخرى، أم بقدرتهما على تحقيق مصالح مشتركة مع احتفاظ كل طرف باستقلال قراره؟
إن العلاقة المتوازنة لا تخشى تطور الطرف الآخر، ولا تنظر إلى قدرته على تنويع شراكاته باعتبارها خسارة تلقائية. بل إن استقلال الشريك اقتصادياً وسياسياً يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للتعاون، ويجعل المصالح المشتركة أكثر استدامة.
السودان بين الحاجة والندية
يعيش السودان واحدة من أعقد مراحل تاريخه الحديث. فالحرب أضعفت مؤسسات الدولة، وأرهقت الاقتصاد، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء، ووسعت دائرة الاحتياجات الإنسانية. وفي ظل هذه الظروف، تصبح العلاقات مع الدول المجاورة، وفي مقدمتها مصر، ذات أهمية كبيرة.
لكن الحاجة الناتجة عن الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى أساس دائم للعلاقة السياسية.
فالسودان ليس مجرد ملف أمني بالنسبة إلى دول الجوار، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا مجتمعاً ينبغي أن تظل خياراته مرهونة بمدى رضا هذه العاصمة أو تلك. إنه دولة ذات سيادة، وشعب له الحق في تحديد مستقبله واختيار شركائه وفق مصالحه الوطنية.
ومن حق السودانيين أن يتساءلوا عن طبيعة أي دعم يُقدم لبلادهم، وعن شروطه وأهدافه وآثاره، من دون أن يعني ذلك رفض المساعدة أو معاداة الدولة التي تقدمها.
كما أن من حقهم المطالبة بعلاقة مع مصر تقوم على المصالح المتبادلة، والاحترام، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعامل مع السودانيين باعتبارهم شركاء متساوين في الكرامة والسيادة.
هل تخشى مصر سوداناً مستقلاً؟
هذا السؤال لا ينبغي التعامل معه بوصفه حقيقة مثبتة، وإنما باعتباره مدخلاً لتحليل المصالح المصرية في السودان.
فمصر لديها اعتبارات مرتبطة بالأمن الحدودي، ومياه النيل، والتجارة، والاستقرار الإقليمي، وتطورات الحرب السودانية. وهذه المصالح تجعل ما يحدث في السودان مهماً للقاهرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن مصر تخشى استقلال القرار السوداني أو تسعى إلى إبقائه معتمداً عليها.
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى السياسات والمواقف العملية: هل تدعم العلاقات الاقتصادية بناء قدرات السودان الإنتاجية؟ هل تقوم الشراكات على الشفافية وتبادل المنافع؟ هل تحترم الخيارات السياسية التي يحددها السودانيون بأنفسهم؟ وهل يُنظر إلى استقرار السودان بوصفه مصلحة مشتركة، أم باعتباره مجرد وسيلة لحماية مصالح الطرف الآخر؟
هذه هي المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها أي خطاب عن الشراكة بين البلدين، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو افتراض النوايا.
فالمواقف المعلنة وحدها لا تكفي، كما أن الشكوك وحدها لا تصنع دليلاً. ما يصنع الحكم الموضوعي هو فحص السياسات والنتائج والاتفاقيات والممارسات على أرض الواقع.
حين تصبح المساعدة عبئاً على الكرامة
لا عيب في أن يحتاج السودان إلى المساعدة في هذه المرحلة. فالدول، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى التعاون مع الآخرين، خصوصاً خلال الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية.
لكن الفارق كبير بين مساعدة تساعد شعباً على استعادة قدرته على الاعتماد على نفسه، ومساعدة تظل آثارها مرتبطة باستمرار ضعفه.
المساعدة الحقيقية هي التي توسع خيارات المستفيد، ولا تضيقها. والتي تعزز مؤسساته، ولا تستبدل إرادته بإرادة الآخرين. والتي تمنحه القدرة على النهوض، لا الشعور الدائم بأنه مدين بالوجود لمن ساعده.
ومن هنا، فإن المطلوب من السودان ليس رفض مصر، ولا قطع العلاقات معها، ولا الدخول في خصومة مع الشعب المصري، وإنما إعادة تعريف العلاقة على أسس واضحة.
فالسودان يحتاج إلى علاقات خارجية متنوعة، واقتصاد منتج، ومؤسسات وطنية قوية، وقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط والارتهان. وكلما امتلك هذه المقومات، أصبح أكثر قدرة على التعاون مع مصر وغيرها من الدول من موقع الندية، لا من موقع الاضطرار.
ماذا لو قال السودان: شكراً، لم نعد بحاجة إلى هذا النوع من العلاقة؟ لنتخيل أن السودان، بعد استعادة استقراره وبناء مؤسساته، أصبح قادراً على توفير احتياجاته الأساسية، وتنويع شراكاته، وإدارة موارده، واتخاذ قراراته وفق مصالح شعبه.
في هذه الحالة، لن يكون السؤال: هل سيستغني السودان عن مصر؟ بل: ما الذي سيجعل السودان ومصر يتمسكان بعلاقتهما؟
الإجابة المفترضة ينبغي أن تكون واضحة: المصالح المشتركة، والجغرافيا، والتاريخ، والتجارة، والتعاون في قضايا المياه والأمن والتنمية، لا الخوف من الاستغناء أو الاعتقاد بأن أحد الطرفين لا يستطيع العيش من دون الآخر.
فالسودان المستقر والقوي ليس بالضرورة خصماً لمصر، كما أن مصر القوية ليست بالضرورة تهديداً للسودان. لكن العلاقة بينهما لن تكون صحية ومستدامة إذا شعر السودانيون بأن حاجتهم تُستخدم لتقييد خياراتهم، أو إذا تعامل أي طرف مع استقلال الآخر باعتباره خسارة لنفوذه.
إن أفضل اختبار لأي علاقة بين دولتين هو ما إذا كانت قادرة على الاستمرار عندما يصبح الطرف الأضعف أكثر قوة، وأكثر استقلالاً، وأقل حاجة إلى المساعدة.
الخلاصة: نريد شراكة لا وصاية
لا يحتاج السودان إلى صناعة عداوة مع مصر حتى يثبت استقلاله، ولا يحتاج إلى إنكار أهمية العلاقات بين الشعبين حتى يطالب بحقوقه. ما يحتاج إليه هو خطاب وطني واضح يفرق بين التعاون والارتهان، وبين المساعدة والوصاية، وبين المصالح المشتركة ومحاولات فرض الإرادة.
ومن حق السودانيين أن يقولوا لمصر، ولغيرها من دول العالم: شكراً لكل مساعدة صادقة، لكننا نريد أن نصل إلى اليوم الذي لا تكون فيه حاجتنا إلى المساعدة سبباً في إضعاف قرارنا، ولا يكون فيه تعاوننا مع الآخرين مشروطاً بالتنازل عن حقوقنا.
السودان لا يحتاج إلى أن يكون عدواً لمصر، لكنه يحتاج إلى أن يكون قادراً على الاستغناء عن أي علاقة لا تقوم على الاحترام المتبادل.
فالعلاقات القوية لا تخشى استقلال الشركاء، والدول الواثقة من مصالحها لا تحتاج إلى إبقاء الآخرين في دائرة العجز حتى تحافظ على مكانتها.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً أمام السودانيين والمصريين معاً هو: هل نبني علاقة بين دولتين تحتاج كل منهما إلى الأخرى، أم علاقة يصبح فيها احتياج طرف إلى الآخر شرطاً لاستمرار النفوذ؟
الإجابة لن تحدد مستقبل العلاقة بين الخرطوم والقاهرة وحدهما، بل ستكشف أيضاً عن نوع الدولة التي يريد السودانيون بناءها بعد الحرب: دولة تبحث عمّن يعتمد عليها، أم دولة تستطيع أن تتعاون مع الجميع من دون أن تتنازل عن إرادتها؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.