سلالمُ الأمل… ومعلِّمٌ يصعد بلا درج

محمد سراج محمد

 

لا تُدار الأزمات في عرف حكومةالامل بل تُستضاف. تأتي كضيفٍ ثقيل، فتفرش له الوعود، وتذبح له البيانات، ثم تبقيه سنواتٍ حتى يصير من أهل البيت. وأزمة استحقاقات المعلمين في وزارة مالية «حكومة الأمل» أنضج هذه الأزمات، فقد بلغت سن الرشد وصارت تحضر الاجتماعات بصفة مستشار.

يقول أهل التخطيط الاستراتيجي إن الخطة الناجحة تقوم على ثلاثة أركان: رؤية ورسالة وأهداف. أما عندنا فلها ركنٌ واحد راسخ هو «سنبحث الأمر». رؤيتها واضحة وضوح السراب: *أن نصرف مرتبات المعلمين حين يتوفر المال*. ورسالتها نبيلة: *أن يظل المال متوفرًا في مكانٍ ما، بعيدًا عن المعلم، حفظًا له من الإغراء*. وأهدافها قابلة للقياس بدقة: كلما قاس المعلم راتبه بحاجته، ازداد يقينًا بأن الهندسة التحليلية لم تُخلق لحسابات الوزارة.

ومن عبقرية الإدارة أنها حوّلت المعلم إلى أعظم خبيرٍ اقتصادي في البلاد. فهو يعيش بلا راتب، ويطعم أسرة بلا سيولة، ويدير عجزًا شهريًا بكفاءة لا تبلغها أي لجنة. صحيح أن الوزارة تتحدث عن «شُح الموارد»، لكن المعلم هو المورد الوحيد الذي لا يشحّ، فهو يصبر بلا حدود، ويُدرِّس بلا مقابل، ويُخرِّج أجيالًا تتعلم منه أولَ دروس الاقتصاد: *كيف تعيش على الأمل وحده*.

أما المفارقة التي لا يجرؤ كاتب ساخر على اختلاقها، فهي أن الدولة تطالب المعلم ببناء الإنسان، وتعجز في الوقت نفسه عن بناء جدول صرفٍ منتظم. تريده أن يغرس في تلاميذه قيمة الوقت، وهي تصرف مستحقاته بتوقيتٍ يجعل التقويم الهجري يبدو أكثر انضباطًا من الميزانية. تريده قدوةً في الالتزام، وتعطيه كل شهر درسًا عمليًا في «التأجيل المؤسسي».

وحين تسأل مسؤولًا عن الخطة البديلة، يطمئنك بأن هناك «لجنة لدراسة تشكيل لجنة». وهذا إنجاز تخطيطي حقيقي: لجنةٌ تلد لجنة، وتنتهي الأزمة إلى أرشيفٍ منظم يحفظ بعناية كل شيء عدا الحل.

وهكذا يمضي الأمل في «حكومة الأمل»، حيث الأمل بند ثابت في الخطاب، وفي الميزانية بند متغير، وعند المعلم رأس مال أخير. أما الوزارة، فتواصل الصعود بثقة نحو القمة بلا سلّم، لأن السلالم ضمن «الموارد» التي سيُبحث أمرها قريبًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.