أين تنتهي عوائد مناجم الذهب؟
لا تكمن مأساة السودان في نقص الموارد، فقد امتلكت البلاد مقومات زراعية ومعدنية وحيوانية ومائية واسعة، وظلت هذه الإمكانات تمثل أساساً حقيقياً لبناء اقتصاد قادر على توفير الغذاء وتحسين حياة المواطنين. ومع ذلك، يعيش السودانيون أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة، تتراجع فيها قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على الحصول على احتياجاتها الأساسية.
السؤال الذي ينبغي أن يتقدم النقاش الوطني هو: كيف تتحول الثروات التي ينتجها السودان إلى تنمية حقيقية، ولماذا لا ينعكس استغلال موارده بالقدر المطلوب على حياة المواطنين؟
تكشف طبيعة الاقتصاد السوداني عن اعتماد كبير على تصدير الموارد الأولية، من دون تطوير كافٍ للصناعات المرتبطة بها أو ضمان احتفاظ الاقتصاد المحلي بجزء أكبر من قيمتها. وهذا يفتح باباً ضرورياً لمناقشة قدرة البلاد على تحويل مواردها الطبيعية إلى إنتاج مستدام وفرص عمل وتنمية حقيقية.
فالسمسم، على سبيل المثال، يمكن أن يدخل في صناعات غذائية متعددة، والثروة الحيوانية تتيح فرصاً لتطوير صناعات اللحوم والألبان والجلود، فيما يمكن للمنتجات الزراعية الأخرى أن تتحول إلى سلع مصنعة ذات قيمة أعلى. ولا يعني ذلك أن تصدير المواد الخام خطأ في ذاته، فالتجارة الخارجية مصدر مهم للدخل والعملات الأجنبية، لكن الاعتماد على تصدير الخام دون تطوير الصناعات المرتبطة به يحد من فرص توسيع الإنتاج وخلق الوظائف وبناء الخبرات الوطنية.
السودان يمتلك ثروات زراعية ومعدنية وحيوانية هائلة لكن غياب الإدارة الرشيدة والسياسات الفعالة يحول دون انعكاسها على المواطنين
وتتصل هذه المسألة بقدرة الدولة على وضع سياسة اقتصادية تجعل الموارد الطبيعية أساساً للتنمية المستدامة، بدلاً من الاكتفاء بعائدات بيعها. فالمطلوب ليس زيادة الصادرات وحدها، وإنما تحسين شروط الإنتاج والتسويق، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز الرقابة على العائدات، وضمان أن تحصل الدولة على حقوقها المالية وفق القانون.
ويمثل الذهب أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى اهتمام خاص. فإدارة إنتاجه وتصديره وحصائله المالية مسألة ذات أهمية مباشرة للاقتصاد الوطني. ويتطلب ذلك بيانات منتظمة عن الإنتاج والكميات المصدرة والعائدات التي تدخل القنوات الرسمية، إلى جانب رقابة فعالة على عمليات الاستخراج والتجارة والتصدير. وتعرض تقارير دولية، منها تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تحديات الاقتصاد السوداني المرتبطة بضعف البيانات الرسمية واتساع الاقتصاد غير الرسمي؛ لذلك ينبغي التمييز بين قيمة الذهب المصدر رسمياً وبين الإنتاج أو التجارة غير المسجلين.
ولا يمكن بناء سياسة جادة لحماية الثروة المعدنية دون توافر معلومات واضحة عن حركة الذهب، والجهات العاملة في القطاع، والإيرادات العامة الناتجة عنه. فكلما اتسعت الفجوة بين المعلومات المتاحة للدولة والمعلومات المتاحة للمتعاملين في السوق، ضعفت القدرة على التخطيط والرقابة والمحاسبة.
أما القطاع الزراعي، فيكشف عن جانب آخر من التناقض بين الإمكانات والنتائج. فالسودان يمتلك أراضي واسعة مناسبة للزراعة، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج مستقر يحتاج إلى التمويل والمدخلات الزراعية والري والنقل والتخزين والأسواق. وقد أدت الحرب والاضطرابات التي صاحبتها إلى تعقيد هذه المتطلبات، وأصبح استقرار الإنتاج الزراعي جزءاً أساسياً من قضية الأمن الغذائي ومستقبل الاقتصاد.
إن امتلاك الموارد لا يكفي وحده لبناء دولة قادرة على إطعام مواطنيها. فالثروة تحتاج إلى مؤسسات تحسن إدارتها، وسياسات تحمي المنتجين، ونظام مالي يضمن توجيه الإيرادات إلى الأولويات العامة. ومن دون ذلك يمكن أن يستمر التناقض بين وفرة الإمكانات وضعف العائد الاجتماعي والاقتصادي منها.
وهنا تبرز قضية الدولة المدنية بوصفها قضية تتعلق بطبيعة السلطة وآليات إدارة المال العام. فالدولة المدنية التي تقوم على سيادة القانون والرقابة والمساءلة تتيح للمجتمع معرفة كيفية إدارة موارده، وتمنح المؤسسات الرقابية والقضائية القدرة على متابعة الإيرادات والإنفاق ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات.
إدارة الذهب والموارد الطبيعية تتطلب بيانات دقيقة ورقابة صارمة لضمان دخول العائدات القنوات الرسمية وتحقيق التنمية المستدامة
ولا تتحقق هذه الوظيفة بمجرد إعلان مدنية الدولة، وإنما ببناء مؤسسات مستقلة وشفافة، وتوحيد الحسابات العامة، ونشر البيانات المالية، وإخضاع المؤسسات الاقتصادية التي تدير المال العام لقواعد واضحة للمراجعة والمساءلة.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل سقوط حكومة عبدالله حمدوك عن الصراع حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبل الانتقال المدني. فقد وقع الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، عندما أعلن القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء وفرض إجراءات استثنائية، واحتُجز رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
وأوقف انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر مسار الانتقال، وأعاد الصراع على السلطة إلى واجهة المشهد السياسي. ويمكن قراءة هذا التطور في إطار التنافس على مؤسسات الدولة ومراكز القرار ومصالح القوى التي ارتبط نفوذها ببنية الحكم القائمة.
إن إضعاف الانتقال المدني لم يكن مجرد تغيير في شاغلي المناصب، وإنما مسّ مسار بناء المؤسسات التي كان يفترض أن تخضع السلطة والموارد للمساءلة العامة. ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول سقوط حكومة حمدوك يرتبط أيضاً بالسؤال عن القوى التي استفادت من تعطيل الانتقال، وعن أثر ذلك في فرص إصلاح الدولة وإعادة تنظيم الاقتصاد على أسس أكثر شفافية.
ولا يحتاج السودان إلى شعارات عامة عن محاربة الفساد بقدر حاجته إلى إجراءات قابلة للقياس. فمن الضروري نشر بيانات الصادرات والإيرادات بصورة منتظمة، وتوضيح ما تحصل عليه الخزانة العامة من الموارد الطبيعية، وتعزيز الرقابة على عمليات التعدين والتجارة الخارجية، وتطوير الصناعات الزراعية والحيوانية، وتوفير بيئة تسمح للمنتجين بالعمل والاستثمار.
كما ينبغي أن تصبح حماية الموارد الوطنية جزءاً من مشروع سياسي واقتصادي متكامل، تتعاون فيه مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمنتجون والجامعات ومراكز البحث. فالمعرفة الدقيقة بحجم الإنتاج والعائدات والخسائر هي نقطة البداية لأي إصلاح جاد، وهي التي تسمح بتحديد المسؤوليات ووضع السياسات المناسبة.
استعادة الثروة الوطنية تبدأ ببناء دولة مدنية شفافة تحمي الموارد وتوجه الإيرادات للأولويات العامة وتحقق العدالة الاجتماعية للمجتمع
إن قضية الثروة في السودان ليست قضية أرقام الصادرات وحدها، وإنما قضية العلاقة بين الموارد والسلطة والمجتمع. فالمواطن الذي ينتج بلده الذهب والسمسم والماشية وسائر المحاصيل من حقه أن يرى أثر هذه الموارد في الخدمات وفرص العمل والأمن الغذائي والتنمية.
والهدف النهائي ليس أن يظل السودان مصدراً للمواد الخام، وإنما أن يمتلك القدرة على إنتاجها وتصنيعها وتسويقها وفق مصالحه الوطنية، وأن تكون عائداتها خاضعة للمساءلة، وأن تتوزع منافعها عبر اقتصاد يتيح للمواطنين المشاركة في الإنتاج والاستفادة من نتائجه.
إن استعادة الثروة الوطنية تبدأ ببناء دولة قادرة على معرفة ما تملكه، وحماية مواردها، وإدارة عائداتها، ومحاسبة من يتولى التصرف فيها. وعندها فقط يمكن الانتقال من بلد غني بالإمكانات إلى دولة تنعكس ثرواتها فعلياً على حياة شعبها.
«صحيفة العرب.».. د.عبدالمنعم همت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.