(97) من النساء في ولاية جنوب دارفور رحلن في صمت خلال العام 2025م نتيجة لإفرازات الحرب، التي تسببت في غياب خدمات الرعاية الصحية للنساء في الريف والحضر.
ولم تكن «غرفة الولادة» في كثير من المواقع مكانًا للحياة كما يُفترض، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محطة أخيرة لنساء دفعن ثمن الحرب بأرواحهن لفقدانهن الرعاية والمتابعة الدورية أثناء فترة الحمل.
فقد كشفت السلطات الصحية بالولاية عن وفاة (97) امرأة أثناء الحمل والولادة، في واحدة من أخطر المؤشرات على الانهيار الإنساني والصحي الذي تشهده العديد من الولايات المتأثرة بالحرب.
قصص ومآسي
وخلف هذا الرقم تقف قصص نساء حوامل قطعن مسافات طويلة بحثًا عن قابلة أو مركز صحي، ليواجهن واقعًا قاسيًا يتمثل في مستشفيات معطلة، ونقص حاد في الأدوية، وغياب شبه كامل للرعاية التوليدية الآمنة، مع ضعف إمكانيات السلطات المختصة في الوصول إلى الريف لتقييم الأوضاع ميدانيًا.
حقائق وأرقام
وكشفت إدارة الصحة الإنجابية بوزارة الصحة بولاية جنوب دارفور، في اجتماع الربع الرابع لوفيات الأمهات للعام 2025م، الذي عقد بنيالا بحضور عدد من شركاء الصحة الإنجابية، أن (25) من الوفيات كانت بسبب النزيف قبل الولادة، و(30) وفاة بسبب نزيف بعد الولادة، و(11) وفاة بسبب إكلامسيا قبل الولادة، و(21) وفاة بعد الولادة، بجانب (5) وفيات بسبب التسمم، ومثلها بالملاريا، و(7) وفيات نتيجة فقر الدم، و(3) لأسباب أخرى.
وأضافت أن العدد الكلي لوفيات الأمهات في سن الإنجاب خلال العام، والبالغ (97) حالة وفاة، توزّع بحسب الأعمار على النحو الآتي: أقل من (18) سنة (16) وفاة، ومن (18 إلى 30) سنة بلغت (57) وفاة، ومن (31 إلى 40) سنة (23) حالة وفاة، ومن (41) سنة (11) وفاة.
وأشار تقرير الصحة الإنجابية إلى أن (40) من الوفيات تمت بالمستشفى، و(46) في المنازل، و(11) في الطريق قبل الوصول إلى المستشفيات.
ويوجد بولاية جنوب دارفور عدد (15) مستشفى، أربعة منها داخل نيالا والبقية بالمحليات، بجانب وجود خمس مستوصفات خاصة، كما يوجد (67) مركزًا صحيًا و(287) مركز رعاية صحية أولية، ورغم ذلك، إلا أن هناك ضعفًا في خدمات الصحة الإنجابية، مقابل غلاء العلاج والمتابعة والتشخيص في القطاع الخاص.
تحديات ماثلة
وذكرت منسق الصحة والعافية بوزارة الصحة، طيبة عمر بخيت، في حديثها لـ«عين الحقيقة»، العديد من التحديات التي ظلت عقبة في خفض وفيات الأمهات، منها عدم المتابعة أثناء الحمل (قلة الوعي في المجتمع)، وعدم توفر وسائل الحركة، وعدم توفر الدواء في المستشفيات والمراكز الصحية، ونقص حاد في الزائرات الصحيات بالولاية، بجانب توزيع الأطباء للمستشفيات الريفية دون التدريب الكافي، مع ضعف الإشراف ما بعد التدريب، وضعف توفير البيانات الحقيقية عن الوفيات.
وطالبت طيبة بضرورة تأهيل بنوك الدم بالمستشفيات الريفية، مع وجود بنك دم في رئاسة كل محلية، وتوفير معينات العمل بكافة عنابر الولادة.
وأكدت مصادر طبية أن أغلب الوفيات كان يمكن تفاديها لو توفرت أبسط الخدمات الصحية، مثل المتابعة أثناء الحمل، أو وجود كادر مؤهل أثناء الولادة. إلا أن الحرب، التي ضربت الولاية، أضعفت النظام الصحي إلى حد الانهيار، بعد خروج عدد كبير من المرافق عن الخدمة ونزوح الكوادر الطبية.
مخاطر محدقة بالنساء
وفي غالبية المناطق الريفية ومعسكرات النزوح، ومع غياب الخدمات وضعف الموجود منها، تواجه النساء مخاطر مضاعفة، إذ تلد الكثيرات في المنازل أو في ظروف غير إنسانية، دون إشراف طبي أو حتى قابلة مجتمع، ما يجعل المضاعفات البسيطة سببًا في فقدان الأرواح، وبعضهن يلقين حتفهن في الطريق من مناطقهن التي لا تتوفر فيها الرعاية الكاملة إلى أقرب المستشفيات.
توقعات مراقبون
ويرى مراقبون أن استمرار الأوضاع بشكلها الحالي في العديد من المدن والأرياف، ما لم تتحسن فيها الخدمات الخاصة بصحة النساء وتوفير الدواء، فإن الوضع ينذر بكارثة أكبر، سيما أن وفيات الأمهات ليست مجرد أرقام، بل دليل مباشر على عمق الأزمة الإنسانية.
ودعا المراقبون إلى تدخل عاجل لإعادة تشغيل المرافق الصحية، وتأمين الإمدادات الطبية، وحماية النساء في واحدة من أكثر مراحل حياتهن هشاشة.
ويرى مختصون أن إنقاذ الأمهات في جنوب دارفور لم يعد مسألة صحية فحسب، بل قضية إنسانية ملحّة، تتطلب ضمان وصول الخدمات الطبية كحق أساسي لا ينبغي أن تسلبه الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.