في تطور لافت يعكس استمرار جذوة ثورة ديسمبر رغم طبول الحرب، واجهت محاولات عودة التيار الإسلامي إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري في السودان موجة جديدة من الرفض الشعبي العلني.
وتجلى هذا الرفض في حوادث متفرقة كسرت حاجز الصمت، وأكدت تمسك قطاعات واسعة من الشارع بشعارات الثورة، ورفضها الاصطفاف خلف محاولات إعادة إنتاج النظام السابق أو الانصياع لسرديات الحرب تحت أي لافتة.
وفي أحدث هذه الوقائع، قاطع شاب مخاطبة جماهيرية للمصباح أبو زيد طلحة، قائد “كتائب البراء بن مالك” المحسوبة على التيار الإسلامي والمقاتلة إلى جانب الجيش.
وبحسب مقاطع متداولة، خاطب الشاب القائد قائلاً: “يا مصباح، في حاجة نسيتها”، قبل أن يطلق هتافه: “نحن ضد الكيزان”، لتتحول الأجواء إلى حالة من الارتباك، مع انضمام عدد من الشباب للهتاف بشعار الثورة: “ثوار أحرار وحنكمل المشوار”، بينما حاول المنظمون تغطية الهتافات بالتكبير.
ويرى مراقبون أن الحادثة تعكس استمرار المزاج الثوري رغم ظروف الحرب، وتشير إلى أن محاولات تسويق رموز النظام السابق عبر البوابة العسكرية لا تزال تواجه مقاومة مدنية.
ولا تبدو واقعة “المصباح” معزولة، إذ سبقتها واقعة الشاب منيب عبد العزيز في مدينة دنقلا قبل نحو شهرين، حين خرج عقب صلاة الجمعة في ما عُرف بـ“موكب الرجل الواحد”، مردداً هتافات ضد عودة الإسلاميين وفلول النظام السابق.
ولا تزال محاكمة منيب جارية في دنقلا، حيث شهدت جلساتها تضامناً من جهات قانونية وشبابية اعتبرت القضية محاولة لإسكات الأصوات الرافضة لاستغلال الحرب لإجهاض مكتسبات الثورة.
في المقابل، ترى قوى مدنية وثورية أن الحرب الحالية ارتبطت بمحاولات قطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي، وسط اتهامات بعودة عناصر من النظام السابق إلى مواقع القرار داخل المؤسسة العسكرية، وتشكيل مجموعات مسلحة ذات طابع عقائدي.
ويرى مراقبون أن المشهد السياسي في السودان لا يمكن اختزاله في طرفي القتال، إذ تبرز كتلة مدنية ثورية ترفض حكم العسكر وعودة الإسلاميين معاً، وتتمسك بمطلب الدولة المدنية الديمقراطية كخيار وحيد لإنهاء الأزمة.
ومع تكرار هذه المواقف في أكثر من مدينة، تبدو رسالة الشارع واضحة: الحرب لم تمحُ ذاكرة ديسمبر، ومحاولات إعادة الإسلاميين إلى المشهد عبر البوابة العسكرية لا تزال تصطدم برفض شعبي متجدد، يتمسك بشعار الدولة المدنية ويرفض العودة إلى ما قبل الثورة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.