طيف أول:
بينما الصراع الذي دبَّ بين العبارات،
تخلى عن نوبة فطنته وجال هكذا مفرغًا من إيمانه بالمعنى لكل كلمة.
وكانت جلسة مجلس الأمن الأخيرة عن السودان واحدة من أكثر الجلسات أهمية وحساسية منذ اندلاع الحرب، لأنها جاءت مع تصاعد التحذيرات من فظائع في دارفور، خصوصًا في مدينة الفاشر.
وأن يقول مسؤولون أمميون إن ما يحدث في الفاشر يحمل “ملامح الإبادة الجماعية”، فهو توصيف ثقيل في لغة الأمم المتحدة.
وفي الجلسة شددت أمريكا على ضرورة محاسبة مرتكبي الفظائع، ورفض أي عودة للإسلاميين أو النظام السابق، وأكدت أن الحل العسكري غير ممكن. وركّزت المملكة المتحدة على حماية المدنيين، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون مدنيًا.
وأدانت فرنسا الانتهاكات، ودعت إلى وقف إطلاق النار ومحاسبة المسؤولين.
لكن أخطر ما جاء في الجلسة هو حديث مسعد بولس الذي يمثل الدولة حاملة العصا؛ فالرجل انبرى في مواجهة مباشرة ضد جماعة الإسلام السياسي في السودان.
فحديثه عن “لن نقبل بعمل شبكات الإخوان لاستعادة السلطة في السودان” هو حديث بالغ الخطورة، سيما أنه أمام مجلس الأمن، ويأخذ من الحدود ما هو أبعد من التحذير العام، ويدخل في تسمية الفاعل السياسي.
فاستخدامه عبارة “شبكات الإخوان” جملة خطيرة تشير إلى بنية إخوانية غير رسمية وغير مرئية؛ أي أن بولس يتحدث عن مجموعات تعمل خلف الكواليس، ليست بالضرورة قيادات حزبية معروفة. فالرجل يخاطب منظومة تمتد عبر أشخاص وتشمل التمويل والإعلام والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، والتي غالبًا ما يصعب تحديدها ككيان واحد، لكنها تعمل كمنظومة.
والمستشار أراد أن يقول إن حدود التعامل الأمريكي مع التنظيم قد تتخذ اتجاهًا ذا عمق جوهري، وأن العقوبات قد تتعدى ظاهر التمثيل في القيادة.
فبولس وكأنه يستأذن الحضور في إبداء رغبة أكيدة لأمريكا في ضرب العمق الإخواني في السودان، لأنه يجسد خطورة التنظيم بكونه أكبر من مجرد قيادة للحرب أو معرقل لعملية السلام.
إذن، هل تتخذ أمريكا من منصة مجلس الأمن نقطة تبرير تمنحها حق التصرف في الأرض ولو بوسيلة أخرى، كالاتجاه للتعامل مع القضية عبر مجلس السلام الذي يرأسه ترامب؟ فبولس ربما لا يريد الوصول إلى غاية من الجلسة “فعل”، لكنه يبحث عن وسيلة “تبرير للفعل”.
والحديث عن الشبكات أيضًا يتيح له توجيه الاتهام دون الحاجة لإثبات وجود تنظيم رسمي.
أما حديثه عن “أن شخصيات إخوانية حاولت الاستيلاء على السلطة في السودان”، فهو ينتقد الجهات التي تحاول إعادة إنتاج النظام السابق عبر قوى تعمل في الظل لإعادة السلطة القديمة.
لكن تصريحاته هذه المرة ليست كسابقاتها، لأن الرجل اتخذ من مجلس الأمن منصة للتصريح، وهو ما يعني شرعنة دولية للخطاب الأمريكي. فعندما يُقال أمام مجلس الأمن، يصبح الموقف جزءًا من المسؤولية الدولية الرسمية، وليس مجرد رأي فردي أو تصريح لمستشار يتحدث من موقع آخر.
فإدخال الإخوان في خطاب مجلس الأمن يضعهم في خانة مشابهة لشبكات الإرهاب أو القوى المزعزعة للاستقرار.
والحديث أيضًا يقع في خانة الإرسال للداخل السوداني: أن المجتمع الدولي يراقب، وأن أي محاولة لإعادة الإسلاميين إلى السلطة ستُعتبر خطًا أحمر.
والدول الإقليمية يعنيها هذا الحديث، خاصة تلك التي تدعم أو تحتضن الإسلاميين، لتفهم أنه موقف دولي موحد ضد عودتهم.
لذلك فإن بولس لأول مرة يخاطب العالم والمجتمع الدولي، ولا يختصر رسالته للسلطة الانقلابية والإسلاميين في السودان.
كما يخاطب الجيش مباشرة ويحاول أن يُضعف أي محاولة لتحالف مع الإسلاميين، ويضعه تحت ضغط دولي لتقديم نفسه كقوة “غير مرتبطة بالإنقاذ”.
والحديث أيضًا يقع على أذن سناء حمد كرد مباشر من بولس؛ فسناء تقول إن ليس لديهم مانع للحوار مع أمريكا، ولكن أمريكا تقول إنها هي التي لا تريد، وهي التي لديها مانع. فبولس بهذه التصريحات يقطع عشم الإسلاميين نهائيًا الذين مدوا لأمريكا أياديهم للمصافحة، كما أنه ينسف تمامًا جهود مدير جهاز الأمن الذي سافر لأمريكا يتأبط عدة ملفات للمساومة. وهو إغلاق لجميع الأبواب التي تحدثت عنها الفلول، والتي قالت إن حكومتها تقدمت خطوات نحو المجتمع الدولي.
وفوق هذا كله، حديث مسعد بولس يؤكد النتائج الصفرية لرحلات رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس الذي بعثته الفلول لتغيير وجهة النظر لدى المجتمع الدولي. فالتصريح يجدد عزلة الإسلاميين الدولية، ويحد من قدرتهم على العودة عبر العملية السياسية، ويفتح الباب أمام عقوبات أو إدراج أسماء في تقارير أممية قادمة.
طيف أخير:
غزل البرهان للقوى المدنية والثورية اشبه بتوبة اضطرار لا اختيار، ينطق بها لسان محتضر على فراش الموت!!
فلماذا ينهي شباب الثورة التمرد
ألم يقل البراءون إنهم قادرون على حسم المعركة وتحرير الفاشر!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.