الإسلاميون والحرب في السودان: الأيديولوجيا والسلطة في لحظة الانكشاف

تقرير: عين الحقيقة

يصعب فهم سلوك الحركة الإسلامية السودانية في سياق الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023 دون العودة إلى بنيتها الأيديولوجية التي تشكّلت عبر عقود. فالأيديولوجيا، بالنسبة لهذه الحركة، ليست خطاباً عابراً، بل إطاراً ناظماً للرؤية السياسية والعسكرية، ومحدِّداً لطبيعة التحالفات والخصومات.

الحركة الإسلامية السودانية، وفق مراقبين: تفسير انتقائي للنصوص الدينية، وادعاء تمثيل “الإسلام الصحيح”، وتوظيف مفهوم التكفير في سياقات الصراع السياسي، بما يضفي شرعية رمزية على الإقصاء وربما العنف.

تقوم هذه البنية على منظومة فكرية تعتبر أن العمل السياسي امتداد لـ”مشروع ديني”، وأن استخدام أدوات القوة يمكن أن يندرج ضمن هذا المشروع. وفي دراسة للباحث المصري عمرو الشوبكي صادرة عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات، جرى التمييز بين ما سُمّي بـ”العنف القديم” المرتبط بتنظيمات ذات تأسيس فقهي وأيديولوجي متماسك، و”العنف الجديد” الذي تمثله تنظيمات أكثر سيولة وأقل رسوخاً في البنية الفقهية، ما يجعلها أقرب إلى التكتيك المتغيّر والعنف المفتوح.
الحركة الإسلامية السودانية، وفق مراقبين، تمثل حالة وسطى؛ إذ جمعت بين العمق الأيديولوجي التقليدي والبراغماتية السياسية التي فرضتها تجربة الحكم. وقد ارتكز خطابها على ثلاث ركائز: تفسير انتقائي للنصوص الدينية، وادعاء تمثيل “الإسلام الصحيح”، وتوظيف مفهوم التكفير في سياقات الصراع السياسي، بما يضفي شرعية رمزية على الإقصاء وربما العنف.
من الفكرة إلى الدولة
منذ انقلاب 30 يونيو 1989، عملت الحركة على ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة. وتشير شهادات وتصريحات لقيادات سابقة إلى أن التمكين شمل مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية، ما خلق تشابكاً بين التنظيم والدولة يصعب فصله. كما برزت شبكات اقتصادية ومالية عززت حضورها في مفاصل الاقتصاد السياسي.
وتؤكد القيادية الإسلامية سناء حمد، في لقاء علني سابق، أن رئيس هيئة الأركان الأسبق هاشم عبد المطلب أقرّ بانتمائه للتنظيم، في إشارة تعكس حجم التداخل بين المؤسسة العسكرية والتنظيم السياسي خلال حقبة الحكم الإسلامي.
في المقابل، يرى باحثون أن أدوات التجنيد اعتمدت على استثمار مشاعر التهميش والبحث عن الهوية، إلى جانب التلقين الأيديولوجي المنهجي، ما مكّن الحركة من بناء قاعدة تنظيمية صلبة عبر عقود.
الحرب كفرصة لإعادة التموضع
مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، عاد اسم الحركة الإسلامية إلى واجهة الجدل. فبينما تبدو الحرب صراعاً عسكرياً مباشراً بين طرفين، يرى محللون أن لها أبعاداً سياسية أعمق، من بينها سعي قوى إسلامية لاستعادة نفوذ فقدته بعد ثورة ديسمبر 2019. تقارير وتحليلات، بينها قراءة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، أشارت إلى أن بعض التيارات الإسلامية رأت في الحرب فرصة لإعادة الاصطفاف خلف الجيش، والعمل على توحيد صفوفها بعد سنوات من التراجع. كما تطوّع عدد من المحسوبين عليها في صفوف القتال، في خطاب يقدّم المعركة باعتبارها دفاعاً عن الدولة في مواجهة “التمرد”.
السلام المؤجل
في ما يتعلق بجهود التسوية، يرصد مراقبون ثلاث آليات يُعتقد أنها أسهمت في تعقيد مسار الوساطات: التعبئة الإعلامية: استخدام خطاب التخوين تجاه دعاة السلام، وتصوير أي هدنة باعتبارها موقفاً سياسياً منحازاً. العنف غير المباشر: الإبقاء على شبكات مسلحة يمكن تحريكها لتعطيل التهدئة دون الظهور في الواجهة. تسييس البُعد القبلي: توظيف الهويات المحلية كحاضنة أمنية في ظل تراجع المشروع الأيديولوجي الجامع. وعلى المستوى الدولي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي بعد اندلاع الحرب، في خطوة فسّرتها الحركة داخلياً بخطاب تعبوي اعتبر العقوبات استهدافاً سياسياً، لا مساءلة قانونية.
فوبيا الإقصاء أم صراع بقاء؟
ثمة رأي تحليلي يذهب إلى أن رفض بعض مكونات الحركة لمسارات التسوية لا يرتبط فقط باعتبارات أيديولوجية، بل بما يُسمّى “فوبيا الإقصاء”؛ أي الخشية من الخروج الكامل من المشهد السياسي، وما قد يترتب على ذلك من مساءلات قانونية عن سنوات الحكم السابقة. الكاتب ناصر السيد النور يرى أن الحركة تواجه مأزقاً سياسياً وأخلاقياً مع تعقّد المشهد، خاصة مع بروز كيانات موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، ما يهدد سرديتها حول احتكار تمثيل الهوية الوطنية الإسلامية.
عوامل بنيوية أعمق
غير أن اختزال الأزمة في بُعد أيديولوجي فقط يظل قاصراً. فالسودان، تاريخياً، دولة تعاني هشاشة مؤسسية وتداخلاً في الهويات القبلية والجهوية والدينية. هذا الواقع أتاح لقوى منظمة، مثل الحركة الإسلامية، ملء فراغات السلطة عبر التنظيم الشبكي والتمكين الاقتصادي. كما أن التحولات الرقمية والعولمة وفّرت أدوات جديدة للتأثير والتعبئة، حتى للحركات ذات البنية التقليدية. ويشير باحثون، بينهم جاسم محمد، إلى أن الجماعات المؤدلجة باتت توظف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطابها وتوسيع دوائر التأثير.
أي سلام ممكن؟
يخلص محللون إلى أن أي تسوية مستدامة في السودان لا يمكن أن تقتصر على وقف إطلاق النار أو إعادة ترتيب السلطة العسكرية، بل يجب أن تعالج جذور الأزمة الفكرية والسياسية. فالمواجهة، وفق أكاديميين ومفكرين، تحتاج إلى بُعد معرفي يوازي البُعد الأمني، عبر تفكيك الخطاب الإقصائي بالحجة والنقد، وبناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على إدارة التنوع. في المحصلة، تقف الحركة الإسلامية السودانية أمام مفترق طرق: إما القبول بقواعد التنافس السياسي السلمي والمساءلة القانونية، أو الاستمرار في الرهان على صراع مفتوح بوصفه وسيلة ضغط وبقاء. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة قواه المختلفة على إنتاج تسوية تعيد للدولة طابعها المدني، وتفصل بين الدين والسياسة، وتؤسس لمرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.