منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي قاده تحالف الجبهة الإسلامية القومية بقيادة عمر البشير، دخل البلاد واحدة من أكثر مراحله السياسية قسوة واضطراباً.. أقام الإسلاميون نظاماً استبدادياً استمر ثلاثة عقود، اتسم بالقمع السياسي، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والحروب الأهلية، والفساد الاقتصادي، قبل أن يسقط تحت ضغط ثورة ديسمبر 2018.. إلا أن آثار ذلك المشروع لم تنته بسقوطه، إذ يرى محللين ومراقبين أن سياسات التمكين وتغول الإسلاميين على مؤسسات الدولة كانت من أبرز العوامل التي مهدت لانفجار حرب 15 أبريل 2023.
فرض النظام رقابة صارمة على الصحف ووسائل الإعلام، وأغلق العديد منها، واعتقل صحفيين وكتاباً، في إطار سعيه لاحتكار الخطاب العام ومنع أي صوت معارض..
جاء انقلاب 1989 ليقوض التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان، ويضع البلاد تحت حكم عسكري- أيديولوجي. ومنذ الأيام الأولى، شرع النظام الجديد في تفكيك مؤسسات الدولة عبر سياسة عُرفت «بالتمكين»، هدفت إلى إحلال كوادر الحركة الإسلامية مكان الموظفين المهنيين في الخدمة المدنية والجيش والقضاء والجامعات.
شهدت تلك المرحلة موجة اعتقالات واسعة شملت السياسيين والنقابيين والصحفيين، حيث أُنشئت بيوت الأشباح، وهي معتقلات سرية مورست فيها أساليب تعذيب ممنهجة.. وقد وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية شهادات عن التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرّض له المعتقلون، ما رسّخ صورة النظام بوصفه واحداً من أكثر الأنظمة قمعاً في المنطقة. كما فرض النظام رقابة صارمة على الصحف ووسائل الإعلام، وأغلق العديد منها، واعتقل صحفيين وكتاباً، في إطار سعيه لاحتكار الخطاب العام ومنع أي صوت معارض.. وأُلغيت النقابات المستقلة، واستُبدلت بتنظيمات موالية للسلطة، ما أدى إلى تفكيك الحركة النقابية وإضعاف المجتمع المدني.
خلال تسعينيات القرن الماضي، صعد النظام الإسلامي من وتيرة الحرب في جنوب السودان، وطرح خطاب «الجهاد» لتعبئة الشباب والزجّ بهم في جبهات القتال. أُنشئت معسكرات للدفاع الشعبي، وجرت تعبئة طلاب المدارس والجامعات في حملات عسكرية، وسط خطاب تعبوي قائم على الاستقطاب الديني.. أدت هذه السياسات إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا، وتفاقم الأزمة الإنسانية، قبل أن تنتهي الحرب باتفاقية السلام الشامل عام 2005 التي مهّدت لانفصال جنوب السودان في 2011، وهو الحدث الذي اعتُبر أحد أكبر إخفاقات النظام.
لكن المأساة لم تتوقف عند الجنوب.. ففي عام 2003 اندلعت حرب دارفور، حيث واجهت الحكومة تمرداً مسلحاً بعنف مفرط، مستخدمة ميليشيات محلية عُرفت بالدفاع الشعبي وحرس الحدود.. أسفرت الحرب عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، وأثارت موجة إدانات دولية واسعة.
وفي عام 2009، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أضافت تهمة الإبادة الجماعية لاحقاً، في سابقة هي الأولى من نوعها بحق رئيس دولة أثناء توليه السلطة.
على الصعيد الاقتصادي، اتسمت سنوات حكم الإسلاميين بتفشي الفساد والمحسوبية، حيث سيطرت شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية على قطاعات حيوية مثل البنوك والتجارة والصناعات الكبرى… وظهرت شركات تتبع للأجهزة الأمنية والعسكرية تعمل خارج إطار الرقابة المالية، ما أدى إلى تشويه بنية الاقتصاد الوطني. جرى إقصاء الكفاءات المهنية من مواقعها، واستبدالها بعناصر موالية سياسياً، ما أضعف الأداء المؤسسي في مختلف القطاعات، وتراجعت الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
تدهور الاقتصاد تدريجياً، خاصة بعد انفصال جنوب السودان وفقدان معظم عائدات النفط في 2011. ومع غياب الإصلاحات الحقيقية، تصاعدت معدلات التضخم والبطالة، وانهارت قيمة العملة الوطنية، واتسعت دائرة الفقر، ما دفع أعداداً كبيرة من السودانيين إلى الهجرة.
واجه النظام الاحتجاجات الشعبية بعنف شديد. ففي سبتمبر 2013، خرجت مظاهرات واسعة احتجاجاً على رفع الدعم عن الوقود، لكن قوات الأمن واجهتها بالرصاص الحي، ما أسفر عن مقتل أكثر من 200 متظاهر بحسب تقارير حقوقية.. وتكرر المشهد في ديسمبر 2018، حين اندلعت احتجاجات شعبية واسعة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تنتهي بإسقاط نظام البشير في أبريل 2019.
رغم سقوط النظام، لم تختف شبكاته من مؤسسات الدولة، خصوصاً داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
وقد واجهت الحكومة الانتقالية تحديات كبيرة في تفكيك بنية التمكين التي ترسخت طوال ثلاثين عاماً. ويرى مراقبون أن الإسلاميين لعبوا دوراً في عرقلة مسار الانتقال الديمقراطي، عبر تأجيج الصراعات داخل مؤسسات الدولة، والتحالف مع أطراف عسكرية للحفاظ على نفوذهم، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
مع تصاعد التوتر بين الجيش وقوات الدعم السريع، دخل السودان في حرب مفتوحة في 15 أبريل 2023، دمّرت أجزاء واسعة من البلاد، وأدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ويرى محللون أن جذور هذه الحرب تعود إلى سياسات الإسلاميين خلال حكمهم، حيث اعتمدوا على إنشاء مليشيات موازية للجيش، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتفكيك مؤسسات الدولة المدنية، ما خلق بيئة قابلة للانفجار.
بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم، ترك الإسلاميون وراءهم دولة منهكة بالحروب والانقسامات والديون والفساد المؤسسي. ولا تزال آثار تلك السياسات تلقي بظلالها على الواقع السوداني، في ظل حرب مستمرة وانهيار اقتصادي وإنساني متفاقم.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين هو تفكيك إرث التمكين، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، بوصفها الطريق الوحيد للخروج من دوامة الانقلابات والحروب التي بدأت مع انقلاب 1989، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.