في مسيرة الأوطان لحظات لا تُعلن عن نفسها بضجيج، بل تزحف صامتة كالماء حين يجد طريقه إلى شقوق الجدران، حتى إذا استقر في أعماقها، انهار البناء فجأة، ووقف الناس يتساءلون بدهشة ممزوجة بالحسرة: متى بدأ التصدع حقًا؟ وأين كانت اللحظة الأولى التي انحرف فيها المسار؟
في السودان، لا تبدو الأزمة الراهنة وليدة يوم أو عام، ولا هي نتاج صراع عابر على السلطة، بل هي نتيجة تراكم طويل لمعادلة معقدة في ظاهرها، سهلة في جوهرها، معادلة تقف فيها المؤسسة العسكرية في قلب المشهد، لا بوصفها درعًا للوطن فحسب، بل بوصفها طرفًا في إدارة الحكم والاقتصاد، في وقت يرزح فيه المواطن تحت وطأة بؤس متراكم وضيق لا يكاد ينقضي.
إن الحديث عن سيطرة المؤسسة العسكرية على ما يقارب ثمانين في المائة من مفاصل الاقتصاد ليس مجرد رقم يُستدعى في سياق الجدل السياسي، بل هو مؤشر عميق على اختلال بنيوي في طبيعة الدولة نفسها.
فحين تتضخم الأدوار الاقتصادية لمؤسسة مهمتها الأصلية حماية الحدود وصون السيادة، فإن ذلك لا يعكس قوة للدولة بقدر ما يعكس ارتباكًا في توزيع الأدوار، وخلطًا بين مقتضيات الأمن ومتطلبات التنمية.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي: هل سأل جنرالات الجيش أنفسهم يومًا سؤال البقاء الحقيقي، من الباقي في معادلة الزمن: هم أم الوطن؟ وهل أدركوا أن التاريخ لا يحتفظ بأسماء الحاكمين بقدر ما يحتفظ بآثار ما فعلوه بأوطانهم؟
غير أن قراءة المشهد السوداني تظل قاصرة إن توقفت عند حدود النفوذ العسكري المباشر، ولم تتعمق في جذور التحول الذي أصاب المؤسسة العسكرية خلال العقود الثلاثة التي حكمت فيها الحركة الإسلامية البلاد.
ففي تلك السنوات الطويلة، لم يكن الأمر مجرد إدارة سياسية للدولة، بل مشروعًا ممتدًا لإعادة تشكيل بنية المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، عبر عملية أدلجة منهجية أعادت صياغة الولاءات، وخلقت شبكات متداخلة من المصالح والانتماءات، حتى غدت المؤسسة، في بعض مفاصلها، أقرب إلى حاضنة تنظيمية منها إلى كيان وطني محايد.
لم تكن أدلجة المؤسسة العسكرية مجرد انحراف عابر في مسار الدولة، بل كانت فعلًا استراتيجيًا طويل النفس، صُمم بعناية ليعيد تشكيل الوعي قبل الهياكل، ويزرع الولاء للتنظيم في مواضع كان ينبغي أن يظل ولاؤها خالصًا للوطن.
ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل جاء ضمن تصور يرى في الدولة وسيلة لبقاء التنظيم، لا إطارًا لخدمة المجتمع.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت الموارد الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى ما يشبه شبكة أمان مالية، أو صمام أمان لبقاء النفوذ واستمراره، حتى حين تتغير الوجوه وتتبدل القيادات.
إن هذه الاستمرارية الخفية، التي تتخفى خلف مظاهر التغيير الشكلي، هي ما يجعل الأزمات تتكرر، وكأن البلاد تدور في حلقة مغلقة لا تكاد تنكسر.
ولذلك، فإن ما شهدته المؤسسة العسكرية من تغييرات في هيئة الأركان أو مواقع القيادة، رغم أهميته الشكلية، لا يمكن أن يُقرأ بوصفه مدخلًا حقيقيًا للحل، ما لم يصاحبه تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين الجيش والدولة.
فالتبديل في المواقع لا يعني بالضرورة تبدلًا في الفلسفة، ولا يفضي تلقائيًا إلى تغيير في الرؤية التي حكمت سلوك المؤسسة لسنوات طويلة.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في إعادة ترتيب الوجوه داخل المؤسسة، بل في إعادة تعريف دورها، واستعادة معناها الأصلي بوصفها مؤسسة وطنية خالصة، مهمتها الأولى والأخيرة حماية الوطن، لا إدارة الحكم، ولا احتكار الاقتصاد، ولا فرض وصاية دائمة على المجتمع.
ومن هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: فالمواطن السوداني، الذي يُفترض أن يكون محور السياسات وغاية التنمية، يجد نفسه في ذيل المعادلة، بينما تتقدم مصالح خاصة ومراكز نفوذ على حساب احتياجاته الأساسية.
فهل الأولى في معادلة الموارد أن يكون المواطن، أم أن تبقى الامتيازات الخاصة فوق كل اعتبار؟ وهل أدرك صناع القرار أن الدول لا تنهار حين تقل مواردها فحسب، بل حين يُسلب مواطنوها الشعور بالعدالة والإنصاف؟
ولا يمكن إغفال ذلك البعد النفسي الخفي الذي يتسلل إلى بعض النفوس حين تلامس أطراف السلطة.
فهناك من تأخذه نشوة المظاهر قبل جوهر المسؤولية؛ المظهر الأنيق الملفت، والأسفار التي تتكرر، وهرولة المنظمين من حولهم، والمواكب التي تشق الطرقات بصافرات سيارات الشرطة والحراسة المشددة، كلها تفاصيل تبدو في ظاهرها بروتوكولًا إداريًا، لكنها في باطنها قد تتحول إلى وقود يغذي شعورًا متضخمًا بالذات.
ومع مرور الوقت، تتدفق دماء الغرور في شرايين حلم مؤقت، فيظن صاحبه أن الهتاف له، لا للمنصب الذي يقف خلفه، حلمًا مزخرفًا بأوهام القيادة، لكنه في حقيقته قد يخفي خواءً عميقًا، يبتعد بصاحبه عن المعنى الحقيقي للقيادة بوصفها تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا امتيازًا.
إن سؤال “أين ذهب الذين من قبلهم؟” ليس سؤالًا تاريخيًا فحسب، بل هو سؤال وجودي يطرحه الزمن على كل سلطة تعتقد أن دوام الحال ممكن.
فالتاريخ، في صرامته الباردة، لا يعترف بدوام القوة، ولا يخلد سلطة قامت على إقصاء المجتمع أو احتكار القرار.
وكل تجربة حكمت بالسلاح وحده، أو بالتحالف بين القوة والأيديولوجيا، انتهت إلى لحظة تكتشف فيها أن الوطن أكبر من أن يُختزل في مؤسسة، وأبقى من أن يُحتجز في يد جماعة.
ولذلك، فإن الطريق إلى الخلاص لا يمر عبر مزيد من العسكرة، ولا عبر إعادة إنتاج التجارب ذاتها في أثواب جديدة، بل يكمن في استعادة المعنى المدني للدولة، بوصفها إطارًا جامعًا لإرادة المجتمع، لا ساحة لصراع المؤسسات.
إن الحكومة المدنية ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، بل هي ضرورة تاريخية لبلد يمتلك من الكفاءات والعقول والطاقات ما يؤهله للنهوض، إذا ما أُتيحت له فرصة إدارة موارده بعيدًا عن الهيمنة العسكرية والأدلجة التنظيمية.
والسودان، بما يحمله من تنوع بشري وثقافي وموارد طبيعية هائلة، ليس بلدًا فقيرًا في جوهره، بل بلد أُثقل بأعباء سياسات خاطئة، وأُنهك بصراعات داخلية، وأُرهق بتداخل غير محمود بين السلطة والسلاح والأيديولوجيا.
غير أن الأمل، رغم كل ذلك، لا يزال قائمًا في وعي أبنائه، وفي إيمان كثير من عقلائه بأن الوطن لا يُبنى إلا حين تُفك القيود التي تكبل مؤسساته، وتُعاد صياغة العلاقة بين القوة والشرعية على أسس دستورية واضحة.
إن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم ليست لحظة تأمل هادئ ولا ترف فكري، بل لحظة مفترق طرق حاد، إما أن تُستعاد فيها الدولة إلى معناها الطبيعي، أو تستمر في الانزلاق البطيء نحو مستقبل تتآكل فيه مقومات البقاء ذاتها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا في ضمير الوطن: هل تدرك المؤسسة العسكرية أن الوطن هو الباقي، وأنها، مهما عظمت قوتها، جزء من تاريخه لا مالكة لمصيره؟
فإذا ما أدركت ذلك، وقررت العودة إلى موقعها الطبيعي درعًا للأرض لا حاكمًا للناس، فإن السودان سيبدأ، عندها فقط، أولى خطواته الحقيقية نحو الخروج من دائرة التيه، واستعادة صورته التي تليق بتاريخ عريق، وشعب لم يفقد، رغم الجراح، قدرته على الحلم بوطن عادل، آمن، ومزدهر.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.