في وقت تتصاعد فيه حدة النزاع المسلح في السودان، وبالمقابل تتزايد مؤشرات الانفلات الأمني في عدد من المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، وسط تقارير متلاحقة عن جرائم قتل ونهب وحوادث إطلاق نار عشوائي، ما يعكس واقعًا أمنيًا يهز كاهل المواطنين ويهدد ما تبقى من الاستقرار المجتمعي.
وأمس السبت، أعلنت محلية الدبة في الولاية الشمالية مقتل أحد أفراد القوات النظامية إثر هجوم نفذه مسلحون استهدف ارتكازًا عسكريًا داخل المدينة. وبحسب بيان رسمي، فإن الحادثة وقعت في ظروف لا تزال قيد التحقيق، دون الكشف عن هوية الجناة أو دوافعهم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى السيطرة الأمنية حتى داخل النقاط العسكرية.
وفي حادث منفصل بالمدينة ذاتها، أُصيب مواطن بطلق ناري طائش أطلقه شخص وُصف بأنه كان في حالة سُكر أمام مستشفى الدبة المركزي. وأكدت السلطات المحلية القبض على المتهم واتخاذ إجراءات قانونية بحقه، نافية في الوقت ذاته وجود تفلتات أمنية واسعة أو صراعات قبلية، وهي رواية غالبًا ما تُقابل بتشكيك من قبل سكان محليين في ظل تكرار الحوادث.
وتابعت صحيفة ومنصة «عين الحقيقة» في شرق البلاد، إذ كشفت لجان مقاومة ولاية القضارف عن واقعة وصفتها بالجريمة البشعة، قالت إن قوة تتبع للجيش ارتكبتها في مدينة الفاو أواخر مارس الماضي. وبحسب البيان، فإن الحادثة اندلعت على خلفية خلاف شخصي، قبل أن تتطور إلى هجوم مسلح على حي الثورة، أسفر عن مقتل طفل وإصابة أحد أفراد القوات المشتركة، إلى جانب إحراق سوق محلي وتدمير ممتلكات المواطنين.
واتهمت اللجان ما أسمته بالخلية الأمنية بمحاولة احتواء الغضب الشعبي عبر وعود بالتعويض، مشددة على أن تلك الحوادث ليست الأولى من نوعها، وأن تكرارها يعكس نمطًا مقلقًا من الانفلات الأمني وغياب المساءلة. وأكدت تمسكها بمطلب القصاص العادل ومحاسبة المتورطين، معتبرة أن استهداف المدنيين يقوض أي فرص للاستقرار.
وفي العاصمة الخرطوم، أعلنت الشرطة إحباط محاولة نهب مسلح في منطقة الكلاكلة جنوب المدينة، حيث استهدف مسلحون طالبًا في أحد أحياء الإسكان. وأوضحت أن تدخل المواطنين ساهم في توقيف المتهمين، وضبط بحوزتهما سلاح ناري من نوع «كلاشينكوف» استُخدم في تهديد الضحية، قبل فتح بلاغات جنائية في مواجهتهما.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الحوادث في مناطق يُفترض أنها خاضعة لسيطرة القوات النظامية يطرح تساؤلات جدية حول فعالية الأجهزة الأمنية وقدرتها على ضبط السلاح المنتشر بين الأفراد، خاصة في ظل غياب مؤسسات الدولة الفاعلة وتداعيات الحرب المستمرة.
كما يحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطنين والسلطات، ويفتح المجال أمام تصاعد النزاعات المحلية وأعمال العنف الفردي، في ظل بيئة يغيب عنها الردع القانوني الحاسم.
ومع تعدد الروايات الرسمية والشعبية حول طبيعة هذه الأحداث، يبقى المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف في مناطق سيطرة الجيش، حيث يواجه يوميًا مخاطر العنف والانفلات، في انتظار حلول جذرية تعيد بناء المنظومة الأمنية وتفرض سيادة القانون في بلد أنهكته الحرب.
في الواقع، لا تبدو هذه الحوادث مجرد وقائع معزولة، بقدر ما تعكس خللًا بنيويًا في منظومة الأمن وسيادة القانون داخل مناطق يُفترض أنها الأكثر انضباطًا.
فاستمرار العنف وتعدد رواياته بين النفي الرسمي وشهادات السكان يضع مصداقية الجيش السوداني على المحك، ويكشف عن فجوة متزايدة بين حكومة بورتسودان والمجتمع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.