سبعة وثامنهم كلبهم: حين تتعرّى “القومية” من آخر أقنعتها

دكتور الوليد آدم مادبو

ليس ثمة ما هو أكثر ابتذالًا من كذبةٍ هرمت، ثم أُعيد طلاءها لتُعرض بوصفها “حقيقة وطنية”. بهذا المعنى، لا تبدو عبارة “الجيش القومي” في السودان سوى أثرٍ لغوي متأخر لواقعٍ لم يوجد أصلًا؛ تسمية تُطلق على كيان لم ينجح، عبر تاريخه الطويل، في تجاوز شروط نشأته الأولى: أداة ضبطٍ للمجال، لا تعبيرًا عن المجتمع.

فالمؤسسة التي يُراد لها أن تكون وعاءً جامعًا، لم تتشكل يومًا على قاعدة التمثيل، بل على قاعدة الانتقاء. ومنذ الحكم التركي-المصري، مرورًا بالإدارة الاستعمارية البريطانية، ظل التعويل قائمًا على نواة اجتماعية محددة، يُعاد تدويرها داخل الجيش بوصفها الضامن الأكثر “موثوقية” لإخضاع الأطراف وضبط المركز. لم يكن ذلك عرضًا عابرًا في تاريخ الدولة، بل قاعدتها الصلبة.

الحرب الجارية لم تصنع هذه البنية، لكنها دفعتها إلى الواجهة. لقد أزالت الحاجة إلى التماهي الأيديولوجي — يسارًا كان أم يمينًا — ذلك الغطاء الذي كانت تختبئ خلفه النخبة المركزية، فلم يعد ممكنًا الادعاء بأن الصراع يدور حول برامج أو رؤى؛ ما انكشف هو شيء أبسط وأشد فجاجة: شبكة مصالح مغلقة، تحرسها مؤسسة عسكرية ذات تكوين اجتماعي شديد الانضباط حول ذاته.

في التشكيل الأخير لقيادة هيئة الأركان، يتوزع الموقع الأعلى في المؤسسة العسكرية على أسماء بعينها:

الفريق أول ركن ياسر العطا (شايقي)،
الفريق الركن عبد الخير درجام (شايقي)،
الفريق الركن محمد علي صبير (شايقي)،
الفريق الركن معتصم عباس التوم (جعلي)،
الفريق الركن حيدر علي الطريفي (شايقي)،
الفريق الركن خلف الله إدريس (شايقي)،
الفريق رشاد عبد الحميد (شايقي)،
الفريق محجوب بشري (شايقي).

قراءة هذه القائمة، خارج ضجيج الشعارات، تكشف نمطًا يصعب تجاهله: تماثلٌ لافت في الانتماء الاجتماعي لدى سبعةٍ من هؤلاء، يقابله استثناءٌ وحيد يكاد يُستخدم لتأكيد القاعدة لا نفيها. هنا، لا تعود المسألة ادعاءً يطلقه خصوم، بل معطىً يمكن لأي قارئ أن يختبره بنفسه. وحين تصبح البنية قابلة للإحصاء، تفقد قدرتها على الاختباء.

أما ما يُسمى بـ“المجتمع المدني”، فقد انكشف بدوره كامتداد مديني لنفس البنية، لا كنقيضٍ لها. فبينما كانت الأطراف تُستنزف في حروب أشعلتها — أو على الأقل أدارت إيقاعها — أجهزة الدولة العميقة، انشغلت هذه النخب بإعادة إنتاج ذاتها بوصفها الممثل الشرعي الوحيد لـ“الجماهير”، مختطفةً المنصة، ومحتكرةً اللغة، ومفرغةً الفعل السياسي من أي مضمون اجتماعي حقيقي.

إنها مفارقة قاسية: من يتحدث باسم الضحايا في برلين أو واشنطون أو لندن أو القاهرة أو يوغندا، هو ذاته من استفاد طويلًا من استمرار شروط إنتاج الضحية.

في هذا الإطار، تبدو بعض الخطابات — بما فيها خطابات قوى يسارية تقليدية — وكأنها تعيش خارج الزمن. إذ تكتفي بإدانة “دولة الإسلاميين” بلغة أخلاقية، دون أن تمس البنية العميقة التي سمحت لهذه الدولة بالوجود والاستمرار. المشكلة ليست في “واجهة أيديولوجية” يمكن اقتلاعها ببيان سياسي، بل في تحالف تاريخي بين السلطة العسكرية والبنية الاجتماعية التي تحميها. وكل حديث عن تفكيك أحدهما دون الآخر، ليس سوى إعادة إنتاج للأزمة بلغة مختلفة.

لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى ذلك الدور الأكثر إيلامًا: كيف تُستدعى قطاعات من الهامش لتكون جزءًا من آلةٍ لا تعمل لصالحها. ليس الأمر مجرد “تغفيل” بسيط، بل عملية معقدة من إعادة تشكيل الوعي، تجعل البعض يقاتل دفاعًا عن بنيةٍ لم تعترف به يومًا إلا بوصفه أداة. يُستدعى عند الحاجة، ويُستبعد عند القسمة. يحمل العبء، بينما تُعاد صياغة المكاسب في مكان آخر. إنها تلك اللحظة القاسية التي يصبح فيها المقهور شريكًا—دون قصد—في إعادة إنتاج قهره.

ليست هذه حربًا بالمعنى التقليدي الذي يُختزل في صراع بين “جيش” و”مليشيا”، بل هي لحظة انكشاف تاريخي لبنية دولة بكاملها. دولة لم تنجح، عبر قرنين، في التحول إلى عقد اجتماعي جامع، فبقيت أسيرة تصور ضيق للسلطة والهوية والانتماء.

ولهذا، فإن أي أفق للخروج من هذه الدائرة لا يمكن أن يمر عبر إعادة تدوير نفس النخب، ولا عبر تجميل نفس المؤسسة، بل عبر مساءلة جذرية للأسس التي قامت عليها الدولة نفسها: من يملك السلطة؟ ومن يُعرّف “الوطن”؟ ومن يُقرر من هو داخله… ومن يُدفع خارجه؟

حين تتكاثر الأسئلة إلى هذا الحد، فذلك ليس علامة فوضى، بل بداية وعي. والوعي، مهما تأخر، أخطر على البُنى المغلقة من أي سلاح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.