لا يمكن إغفال بعض التطورات المهمة التى صاحبت إعلان نيروبى الأخير، وعلى رأسها مشاركة عبد الواحد محمد نور لأول مرة فى تحالفات سياسية واسعة.
وهذه الخطوة تعنى أن “صمود” لم تعد تمانع التحالف مع قوى عسكرية كما كان يحدث سابقاً، حين كانت تتحفظ بحجة تورط بعض تلك القوى فى انتهاكات ضد المدنيين، أو بسبب ضعف التيار المدنى الديمقراطى داخل تنظيمات تأسست فى الأصل على روابط قبلية وعشائرية.
كما يُلاحظ نبرة الترحيب بإعلان نيروبى من جانب قوات “تأسيس”، وهو أمر أراه إيجابياً رغم التحفظات التى يبديها البعض.
لكن، وبرغم هذه المؤشرات الإيجابية التى قد تفتح الباب أمام ولادة تحالف واسع قادر على ممارسة ضغط سياسى وعسكرى أكبر على الحركة الإسلامية وجيشها ومليشياتها المدججة بالسلاح، فإن عقبة جوهرية ما تزال تقف أمام نجاح مثل هذا التحالف.
وهذه العقبة مرتبطة بالثقافة السياسية التى سادت السودان منذ الاستقلال.
فى تقديرى، تمثلت الأزمة فى هيمنة ثقافة سياسية قامت من جهة على إهمال الديمقراطية الإجرائية procedural democracy ، ومن جهة أخرى على تغليب الحلول الإدارية والتنظيمية، أى استخدام القوة فى إدارة الخلافات وحسمها.
ولكى تتضح الصورة أكثر، يمكن النظر إلى تجربة الأحزاب العقائدية فى السودان وكيف تعاملت مع أزماتها الداخلية، إذ تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً هناك.
فالمفاصلة التى انتهت بانقسام الانقاذ إلى “الوطنى” و”الشعبى” فى أواخر القرن الماضى لم تُحسم بالحوار، بل عبر استخدام المؤتمر الوطنى لأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية لفرض الأمر الواقع، بما فى ذلك اعتقال حسن الترابى وقيادات المؤتمر الشعبى.
وفى الحزب الشيوعى، اضطرت القيادة بعد سقوط الاتحاد السوفيتى إلى فتح باب المناقشة العامة، لكنها انتهت أيضاً إلى حلول تنظيمية وإدارية أفضت إلى إبعاد وفصل أصحاب الرؤى التجديدية.
بعبارة أخرى، جرى استخدام أدوات القوة، أو ما يمكن وصفه بـ”العقلانية الأداتية” instrumental rationality ، فى مقابل غياب “العقلانية التواصلية” القائمة على الحوار الندى والشفاف للوصول إلى نتائج أكثر عدالة وواقعية وفاعلية.
إن اعتماد الديمقراطية الإجرائية، إلى جانب الديمقراطية الحقيقية ، substantive democracy، فى إدارة النزاعات وتقريب وجهات النظر وصولاً إلى توافق أو حد أدنى من الإجماع يقوم على الثقة والشفافية ، وهو ما يميز تجارب العالم الديمقراطى اليوم، رغم حدة الاستقطابات السياسية والتعقيدات الكبيرة، كما يحدث حالياً فى الولايات المتحدة فى ظل سياسات إدارة ترمب.
ما يهم هنا هو أن نجاح إعلان نيروبى لا يتوقف فقط على دعوة الآخرين للمشاركة فى الحوار بغرض توسيع مظلة القوى المدنية، وإنما يعتمد أساساً على تبنى إجراءات ديمقراطية حقيقية داخل ذلك الحوار نفسه، بعيداً عن محاولات احتكار التمثيل أو السعى للهيمنة عبر شغل أكبر عدد من المقاعد لترجيح وجهة نظر بعينها، كما حدث فى تجارب سابقة.
كما أن إعادة النظر فى الافتراض القائل إن السعى لتأسيس حكومة مدنية يعنى بالضرورة الانفصال، تظل مسألة ضرورية إذا أُريد لهذا المشروع أن يتحول إلى قاعدة وطنية واسعة لا إلى اصطفاف سياسى جديد محدود الأفق.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.