الجيش والعسكر… مأساة السودان المستمرة: لماذا يحمي الفقراء من يسحقهم؟
الصادق حمدين
حين يدافع فقراء الشعب عن بنية القهر، فإنهم لا يدافعون عن دولة تحميهم، بل عن مؤسسة سبقت الدولة نفسها، وكبرت في الوعي الجمعي حتى غدت أقدم من الوطن وأقوى منه.
جيش وُلد قبل أن تولد الدولة نفسها، فصار مع الزمن أباً متخيَّلاً للجميع، لا يُسأل ولا يُحاسب، رغم أنه تحوّل من قوة من الطبيعي إنها أسست لحماية الوطن إلى درع يحمي بنية التسلط ذاتها ويبرر قهرها وتسلطها على رقاب الشعب.
وهكذا يصبح الفقراء من عامة الشعب، الذين كان يُفترض أن يكونوا أول ضحايا القهر وأول المتمردين عليه، أكثر الناس دفاعاً عنه، لأن السلطة لم تكتف بإخضاع أجسادهم، بل نجحت طويلاً في تشكيل وعيهم أيضاً.
فالمعضلة ليست في الفقر وحده، ولا في الظلم وحده، بل في ذلك الوعي المعطَّل الذي يجعل الإنسان يحرس سجنه بيديه، ويقاتل دفاعاً عن الجدار الذي يفصله عن حريته وكرامته..
الفقر وحده لا يصنع ثورة، كما أن الظلم وحده لا يخلق تمرّداً.
فالتاريخ مليء بشعوب جاعت حتى العظام، وعاشت قروناً تحت القهر حتى أدمنت ذل الفقر، ثم ماتت بصمت وهي تبارك السلاسل التي تخنقها.
وحده الوعي من يوقظ الإنسان من قابلية الطاعة، ومن اعتياد الألم، ومن تلك العلاقة الغريبة التي تنشأ بين المقهور وجلاده.
ليست المأساة في أن الفقراء يُسحقون، بل في أنهم كثيراً ما يتحولون دون أن يشعروا إلى حرّاس لبنية القهر التي تسحقهم.
يدافعون عنها باسم الأخلاق، أو الدين، أو الخوف من الفوضى، أو الحنين إلى “الاستقرار”، أو حتى الجهة والانتماء القبلي، بينما هي في حقيقتها آلة ضخمة لإعادة إنتاج البؤس ذاته بحق الذين يناصرونه قبل معارضيه.
ذلك أن الجملة السحرية التي تخرج من حناجر البسطاء: “جيشن واحد… شعبن واحد”، ليست دائماً تعبيراً عن وحدة وطنية بقدر ما قد تتحول إلى قيد رمزي يسجن الشعب داخل وهم كبير.
فحين تُرفع هذه العبارة بلا وعي، يصبح الناس هم من يسلّمون مفاتيح حريتهم لجنرال تائه يتخيّل ـ في يقظته قبل أحلامه ـ أن الجيش ملكه، وأن الشعب امتداد لإرادته المريضة.
لكن الواقع أكثر قسوة وتعقيداً فلا الجيش كتلة واحدة إنما جيوش، ولا الشعب كذلك إنما شعوب، بل إن السلطة غالباً ما تستخدم هذا الشعار لإخفاء التناقض العميق بين من يملكون القوة ومن يدفعون ثمنها، وبين وطن يُفترض أن يحمي الجميع ومؤسسة تحوّلت تدريجياً إلى درع يحمي بنية القهر والتسلط ذاتها.
حين يثور الجائع دون وعي، فإنه لا يبحث عن الحرية بقدر ما يبحث عن رغيف أكبر داخل القفص نفسه.
ولذلك كثيراً ما تنتهي الثورات الفقيرة بإعادة تدوير الطغيان؛ تتغير الوجوه وتبقى الروح القديمة كما هي.
يسقط المستبد، لكن العقل الذي صنعه يبقى حياً داخل الجماهير، فيعود الاستبداد بثياب جديدة وبأصوات تصفيق أعلى.
إن أخطر ما تفعله السلطة ليس القمع المباشر، بل تشكيل وعي المقهورين بحيث يصبحون جزءاً من منظومة الدفاع عنها.
فالإنسان الذي لم يدرك معنى حريته قد يخاف منها أكثر مما يخاف من سجنه.
ولهذا رأينا جماهير تدفع دماءها من أجل التحرر، ثم تعود بنفسها لتطلب الوصاية، وتبحث عن “الأب القوي”، وتشيطن كل صوت نقدي بوصفه تهديداً للنظام أو للقيم أو للهوية.
كما يحدث الآن حيث اصطف الضحية مع الجلاد ضد من ينادون بالحرية والسلام والعدالة.
الوعي وحده هو الذي يحوّل الألم إلى سؤال، والسؤال إلى موقف، والموقف إلى فعل تغييري.
أما الفقر فقد ينتج الخضوع بقدر ما ينتج الغضب، والظلم قد يولّد الانكسار أكثر مما يولّد الثورة.
الإنسان لا يتمرد لأنه يتألم فقط، بل لأنه يفهم سبب ألمه، ويدرك أن ما يعيشه ليس قدراً مقدساً بل نظاماً يمكن تغييره.
ولهذا كانت كل السلطات المستبدة تخشى المثقف العضوي أكثر من الجائع، وتخشى المدرسة أكثر من السلاح، وتخشى الفكرة أكثر من الحشود وتخشى الوعي أكثر من حملة السلاح ضدها.
لأن الجماهير حين تمتلك الوعي لا تعود قابلة للاستعمال، ولا قابلة للاستثارة المؤقتة، ولا قابلة لإعادة إدخالها إلى الحظيرة بالشعارات نفسها.
إن تحرير الإنسان يبدأ من تحرير عقله.
فالحرية ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل حالة وعي مستمرة.
وحين يغيب هذا الوعي، يتحول الفقراء بحسن نية أحياناً إلى وقود إضافي في محرقة القهر، يحملون الحطب بأيديهم، ثم يقفون مذهولين أمام النار وهي تلتهم أحلامهم من جديد.
جيش وُلد قبل أن تولد الدولة نفسها، فصار مع الزمن أباً متخيَّلاً للجميع، لا يُسأل ولا يُحاسب، رغم أنه تحوّل من قوة من الطبيعي إنها أسست لحماية الوطن إلى درع يحمي بنية التسلط ذاتها ويبرر قهرها وتسلطها على رقاب الشعب.
وهكذا يصبح الفقراء من عامة الشعب، الذين كان يُفترض أن يكونوا أول ضحايا القهر وأول المتمردين عليه، أكثر الناس دفاعاً عنه، لأن السلطة لم تكتف بإخضاع أجسادهم، بل نجحت طويلاً في تشكيل وعيهم أيضاً.
فالمعضلة ليست في الفقر وحده، ولا في الظلم وحده، بل في ذلك الوعي المعطَّل الذي يجعل الإنسان يحرس سجنه بيديه، ويقاتل دفاعاً عن الجدار الذي يفصله عن حريته وكرامته..
الفقر وحده لا يصنع ثورة، كما أن الظلم وحده لا يخلق تمرّداً.
فالتاريخ مليء بشعوب جاعت حتى العظام، وعاشت قروناً تحت القهر حتى أدمنت ذل الفقر، ثم ماتت بصمت وهي تبارك السلاسل التي تخنقها.
وحده الوعي من يوقظ الإنسان من قابلية الطاعة، ومن اعتياد الألم، ومن تلك العلاقة الغريبة التي تنشأ بين المقهور وجلاده.
ليست المأساة في أن الفقراء يُسحقون، بل في أنهم كثيراً ما يتحولون دون أن يشعروا إلى حرّاس لبنية القهر التي تسحقهم.
يدافعون عنها باسم الأخلاق، أو الدين، أو الخوف من الفوضى، أو الحنين إلى “الاستقرار”، أو حتى الجهة والانتماء القبلي، بينما هي في حقيقتها آلة ضخمة لإعادة إنتاج البؤس ذاته بحق الذين يناصرونه قبل معارضيه.
ذلك أن الجملة السحرية التي تخرج من حناجر البسطاء: “جيشن واحد… شعبن واحد”، ليست دائماً تعبيراً عن وحدة وطنية بقدر ما قد تتحول إلى قيد رمزي يسجن الشعب داخل وهم كبير.
فحين تُرفع هذه العبارة بلا وعي، يصبح الناس هم من يسلّمون مفاتيح حريتهم لجنرال تائه يتخيّل ـ في يقظته قبل أحلامه ـ أن الجيش ملكه، وأن الشعب امتداد لإرادته المريضة.
لكن الواقع أكثر قسوة وتعقيداً فلا الجيش كتلة واحدة إنما جيوش، ولا الشعب كذلك إنما شعوب، بل إن السلطة غالباً ما تستخدم هذا الشعار لإخفاء التناقض العميق بين من يملكون القوة ومن يدفعون ثمنها، وبين وطن يُفترض أن يحمي الجميع ومؤسسة تحوّلت تدريجياً إلى درع يحمي بنية القهر والتسلط ذاتها.
حين يثور الجائع دون وعي، فإنه لا يبحث عن الحرية بقدر ما يبحث عن رغيف أكبر داخل القفص نفسه.
ولذلك كثيراً ما تنتهي الثورات الفقيرة بإعادة تدوير الطغيان؛ تتغير الوجوه وتبقى الروح القديمة كما هي.
يسقط المستبد، لكن العقل الذي صنعه يبقى حياً داخل الجماهير، فيعود الاستبداد بثياب جديدة وبأصوات تصفيق أعلى.
إن أخطر ما تفعله السلطة ليس القمع المباشر، بل تشكيل وعي المقهورين بحيث يصبحون جزءاً من منظومة الدفاع عنها.
فالإنسان الذي لم يدرك معنى حريته قد يخاف منها أكثر مما يخاف من سجنه.
ولهذا رأينا جماهير تدفع دماءها من أجل التحرر، ثم تعود بنفسها لتطلب الوصاية، وتبحث عن “الأب القوي”، وتشيطن كل صوت نقدي بوصفه تهديداً للنظام أو للقيم أو للهوية.
كما يحدث الآن حيث اصطف الضحية مع الجلاد ضد من ينادون بالحرية والسلام والعدالة.
الوعي وحده هو الذي يحوّل الألم إلى سؤال، والسؤال إلى موقف، والموقف إلى فعل تغييري.
أما الفقر فقد ينتج الخضوع بقدر ما ينتج الغضب، والظلم قد يولّد الانكسار أكثر مما يولّد الثورة.
الإنسان لا يتمرد لأنه يتألم فقط، بل لأنه يفهم سبب ألمه، ويدرك أن ما يعيشه ليس قدراً مقدساً بل نظاماً يمكن تغييره.
ولهذا كانت كل السلطات المستبدة تخشى المثقف العضوي أكثر من الجائع، وتخشى المدرسة أكثر من السلاح، وتخشى الفكرة أكثر من الحشود وتخشى الوعي أكثر من حملة السلاح ضدها.
لأن الجماهير حين تمتلك الوعي لا تعود قابلة للاستعمال، ولا قابلة للاستثارة المؤقتة، ولا قابلة لإعادة إدخالها إلى الحظيرة بالشعارات نفسها.
إن تحرير الإنسان يبدأ من تحرير عقله.
فالحرية ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل حالة وعي مستمرة.
وحين يغيب هذا الوعي، يتحول الفقراء بحسن نية أحياناً إلى وقود إضافي في محرقة القهر، يحملون الحطب بأيديهم، ثم يقفون مذهولين أمام النار وهي تلتهم أحلامهم من جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.