استمرار الصراع وهيمنة الأجندات الأيديولوجية يثيران مخاوف من سيناريوهات الانهيار والتشظي

تقرير عين الحقيقة

تتزايد التحذيرات من المخاطر التي تواجه السودان مع استمرار الحرب واتساع نطاق الأزمة السياسية والإنسانية، وسط مخاوف متصاعدة من أن تؤدي حالة الاستقطاب الحاد وهيمنة الأجندات الأيديولوجية والعسكرية على القرار الوطني إلى تقويض أسس الدولة وإدخال البلاد في مرحلة طويلة من التفكك وعدم الاستقرار. ويرى مراقبون أن السودان يمر بواحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتداخل الأزمة العسكرية مع الانهيار الاقتصادي والتراجع المؤسسي والنزوح الجماعي، في وقت تتراجع فيه فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة.

خبراء: الأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تحولت إلى أزمة دولة تهدد البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

الحرب تتجاوز حدود الصراع العسكري
يقول خبراء إن الأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تحولت إلى أزمة دولة تهدد البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ويرى الباحث في الشؤون السياسية الدكتور عبد المنعم أحمد أن “الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار العمليات العسكرية، وإنما في تآكل مؤسسات الدولة وفقدان قدرتها على أداء وظائفها الأساسية تجاه المواطنين”. ويضيف أن الحروب الطويلة غالباً ما تؤدي إلى نشوء مراكز نفوذ متوازية وتراجع سلطة المؤسسات الرسمية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات والصراعات المحلية.
مخاوف من سيناريو التشظي
يحذر عدد من المختصين من أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يدفع السودان نحو واقع تتعدد فيه مراكز السلطة والنفوذ، ما يهدد وحدة الدولة ويقوض قدرتها على فرض سيادتها على كامل أراضيها. ويقول الخبير في فض النزاعات الدكتور محمد الفاتح إن “الدول التي تشهد حروباً ممتدة تصبح أكثر عرضة لظهور سلطات محلية ومجموعات مسلحة تمتلك نفوذاً مستقلاً عن السلطة المركزية”. وأضاف أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في مثل هذه الظروف هو تحول الانقسامات السياسية والعسكرية إلى واقع دائم يصعب تجاوزه مستقبلاً.
الأجندات الأيديولوجية تحت المجهر
يرى محللون أن أحد أبرز التحديات التي تواجه السودان يتمثل في تغليب الحسابات الأيديولوجية والحزبية على المصلحة الوطنية، الأمر الذي يعقد فرص التوصل إلى تسويات سياسية مستدامة. وتقول الباحثة في شؤون التحول الديمقراطي الدكتورة سارة الطيب إن “الدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مؤسسات وطنية جامعة، بينما تؤدي الاستقطابات الأيديولوجية الحادة إلى تعميق الانقسامات وإضعاف فرص التوافق”. وتضيف أن بناء الدولة يتطلب توافقاً واسعاً حول أسس الحكم والمواطنة وسيادة القانون، بعيداً عن محاولات احتكار السلطة أو فرض رؤى سياسية أحادية.
الاقتصاد يدفع الثمن الأكبر
لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الاقتصاد الذي يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة تراجع الإنتاج وتعطل الأنشطة التجارية وانهيار الخدمات الأساسية. ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد التجاني إلى أن استمرار الصراع يهدد بتوسيع دائرة الفقر والبطالة ويضعف قدرة الدولة على توفير الخدمات الضرورية للمواطنين.
ويؤكد أن إعادة بناء الاقتصاد ستكون أكثر صعوبة كلما طال أمد الحرب، خاصة في ظل تراجع الاستثمارات وهجرة الكفاءات وتضرر البنية التحتية.

خبراء: السودان ما يزال يمتلك فرصاً لتجنب سيناريوهات الانهيار إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الحرب والانخراط في عملية سياسية شاملة.

المجتمع في مواجهة تداعيات الحرب
يواجه ملايين السودانيين أوضاعاً إنسانية صعبة بسبب النزوح وانعدام الأمن وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية.
ويرى مختصون أن استمرار الحرب يهدد أيضاً النسيج الاجتماعي للبلاد، إذ تؤدي النزاعات الممتدة إلى تعميق مشاعر الانقسام وفقدان الثقة بين المكونات المختلفة. ويقول الباحث الاجتماعي الدكتور حسن عبد الله إن “المجتمعات التي تعيش سنوات طويلة من الصراع تحتاج إلى جهود كبيرة للمصالحة وإعادة بناء الثقة بعد توقف الحرب”.
هل ما زالت هناك فرصة للإنقاذ؟
رغم حجم التحديات، يؤكد خبراء أن السودان ما يزال يمتلك فرصاً لتجنب سيناريوهات الانهيار إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الحرب والانخراط في عملية سياسية شاملة. ويشدد مراقبون على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف القتال، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وقومية، وإطلاق حوار وطني واسع يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين.
معركة الدولة لا معركة السلطة
يرى كثير من المحللين أن القضية لم تعد تتعلق بمن يحكم السودان بقدر ما تتعلق بكيفية الحفاظ على الدولة نفسها ومنع انزلاقها نحو مزيد من التفكك. فمع استمرار الحرب وتفاقم الأزمات، تتعالى الأصوات الداعية إلى تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة، والعمل على بناء مشروع وطني جامع يعيد الاستقرار ويؤسس لمرحلة جديدة من السلام والتنمية. وفي ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل السودان مرتبطاً بقدرة القوى السياسية والعسكرية على إدراك خطورة اللحظة الراهنة، والانتقال من منطق الصراع على السلطة إلى منطق إنقاذ الدولة والحفاظ على وحدتها ومستقبل شعبها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.