الذهب في مرمى العقوبات الغربية.. هل يبدأ فصل جديد من الضغوط الاقتصادية على أطراف الحرب في السودان؟
تقرير | عين الحقيقة
دخلت الحرب في السودان مرحلة جديدة من الضغوط الدولية، بعدما تزامن إعلان الولايات المتحدة عن استعدادها لتوسيع نطاق العقوبات مع قرار الاتحاد الأوروبي فرض قيود على تجارة الذهب السوداني ومواد التعدين، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس تحولًا في طريقة تعامل العواصم الغربية مع الصراع، من التركيز على الجوانب الإنسانية إلى استهداف مصادر التمويل والموارد الاقتصادية.
وخلال تصريحات حديثة، أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن واشنطن “لم تستنفد أدواتها” في التعامل مع الأزمة السودانية، مشيرًا إلى أن خيارات العقوبات لا تزال مفتوحة وقد تشمل أفرادًا وجماعات وكيانات أخرى إذا اقتضت التطورات ذلك. وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان الاتحاد الأوروبي حظر استيراد الذهب السوداني، إلى جانب منع تصدير الزئبق والسيانيد المستخدمين في عمليات استخراج الذهب، في إطار إجراءات تستهدف الحد من تمويل النزاع وتقليل الآثار البيئية المرتبطة بقطاع التعدين.
انتقال من الضغوط السياسية إلى الضغوط الاقتصادية
يرى خبراء أن تزامن الخطوتين الأمريكية والأوروبية لا يبدو مصادفة، بل يعكس توجهًا نحو استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على الأطراف المتحاربة، عبر تضييق المساحات التي يمكن أن توفر مصادر تمويل لاستمرار العمليات العسكرية.
ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور أحمد الطيب إن “العقوبات الجديدة تشير إلى أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية المرتبطة باستمرار النزاع، ولذلك تتجه الضغوط نحو تعطيل مسارات التمويل أكثر من التركيز على الخطاب السياسي وحده”.
ويضيف أن قطاع الذهب أصبح يحتل موقعًا محوريًا في النقاش الدولي حول السودان، ليس فقط بسبب قيمته الاقتصادية، وإنما أيضًا بسبب الاتهامات المتكررة بارتباط عائداته بتمويل أطراف الصراع.
الذهب تحت المجهر
ويعد السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، إلا أن القطاع ظل خلال السنوات الماضية محل جدل واسع بسبب تحديات تتعلق بالتهريب وضعف الرقابة، إضافة إلى الاعتماد الكبير على التعدين الأهلي الذي يستخدم في كثير من الأحيان مواد مثل الزئبق والسيانيد.
ويرى محللون أن قرار الاتحاد الأوروبي يحمل بعدين متداخلين؛ الأول اقتصادي يتمثل في الحد من تداول الذهب السوداني داخل الأسواق الأوروبية، والثاني سياسي يرتبط بإرسال رسالة مفادها أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى تجارة الذهب باعتبارها جزءًا من اقتصاد الحرب، وليس مجرد نشاط تجاري تقليدي.
واشنطن تلوح بمزيد من العقوبات
في المقابل، حملت تصريحات مسعد بولس مؤشرات إلى أن الإدارة الأمريكية ما زالت تدرس خيارات إضافية، تشمل توسيع قوائم العقوبات لتطال أفرادًا أو كيانات ترى واشنطن أنهم يعرقلون جهود التسوية أو يسهمون في استمرار الحرب.
ويقول الخبير في العلاقات الدولية الدكتور محمد عبد الحليم إن “الولايات المتحدة تستخدم العقوبات بوصفها أداة ضغط سياسية واقتصادية في آن واحد، والرسالة الأساسية هي أن استمرار الحرب قد يقود إلى مزيد من القيود على الأشخاص والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنزاع”.
ويرى أن هذه السياسة تهدف إلى رفع كلفة استمرار الحرب بالنسبة للأطراف المختلفة، ودفعها نحو الانخراط في مسار تفاوضي.
إعادة تشكيل المشهد الدولي
ويعتقد مراقبون أن التحركات الأمريكية والأوروبية تعكس أيضًا رغبة في تعزيز الحضور الغربي داخل ملف السودان، عبر أدوات اقتصادية ومالية تمنح واشنطن وبروكسل دورًا مؤثرًا في أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويقول الباحث في الشؤون الأفريقية الدكتور صلاح يوسف إن “العقوبات لم تعد تقتصر على معاقبة أفراد بعينهم، وإنما أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد التعامل مع الأزمة السودانية، بحيث ترتبط إدارة الموارد الطبيعية والشفافية الاقتصادية بأي ترتيبات سياسية مقبلة”.
تحديات أمام السودان
ويرى خبراء أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلًا من آثار الحرب وتراجع الإنتاج والاستثمار، بينما قد تدفع القيود الجديدة إلى إعادة النظر في آليات إدارة قطاع الذهب وتعزيز الشفافية والرقابة على صادراته.
وفي المقابل، يؤكد محللون أن العقوبات وحدها لن تكون كافية لإنهاء الحرب، لكنها قد تصبح عنصرًا مؤثرًا في حسابات الأطراف المتنازعة إذا أدت إلى تقليص مصادر التمويل ورفع الكلفة الاقتصادية لاستمرار الصراع.
وبين العقوبات الأمريكية والقيود الأوروبية، يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يربط مستقبل الأزمة السودانية بملف الموارد الطبيعية، ليصبح السؤال المطروح اليوم ليس فقط من يحقق تقدمًا في الميدان، وإنما أيضًا من يمتلك الموارد التي تمول الحرب، وكيف ستؤثر الضغوط الاقتصادية على مسار التسوية السياسية في المرحلة المقبلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.