الكيماوي في السودان: أدلة الإدانة تحاصر “سلطة بورتسودان” وتقرير الدفاع يتهاوى أمام المجهر الدولي
تقرير ـ عين الحقيقة
تواجه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان حصاراً دبلوماسياً وقانونياً غير مسبوق، إثر تزايد الأدلة الدولية والمحلية التي تؤكد تورطها في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.
وفي محاولة للالتفاف على هذه الاتهامات، جاء التقرير الأولي الذي قدمته ما تُسمى بـ “اللجنة الوطنية” إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مليئاً بالثغرات المنهجية والتناقضات الفاضحة، ليتحول من أداة دفاع إلى مستند إدانة إضافي يكشف غياب الشفافية ومحاولات التضليل الممنهج.
تفكيك تقرير “بورتسودان”.. دفاع مهزوز وتناقضات منهجية
و كشف تقرير “اللجنة الوطنية” – التي شكلها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في يونيو 2025 ولم يرَ تقريرها النور إلا في يوليو 2026 – عن عجز فني وقانوني واضح في دحض الاتهامات الموجهة ضد الجيش.
وقد لخص خبراء حقوقيون وقانونيون، أبرزهم المحامية الناشطة رحاب المبارك سيد أحمد، الثغرات المنهجية الفاضحة في التقرير.
وأوضحت سيد أحمد أن اللجنة استغرقت أكثر من عام كامل لإصدار “تقرير أولي” لا يحتوي على أي جداول زمنية محددة للزيارات الميدانية أو تواريخ الأنشطة المنجزة.
كما وقع التقرير في تناقض صارخ؛ إذ زعم خلو السجلات من أي أدلة مادية على استخدام الكيماوي، وفي الوقت ذاته تذرع بعقبات لوجستية وأمنية حالت دون إكمال عمله، مما يسقط مصداقية الجزم الفوري بالبراءة.
إلى جانب ذلك، تجنبت اللجنة بشكل متعمد طلب أي دعم فني أو تحليلي من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مفضلة الاعتماد على تحقيقات داخلية تفتقر للنزاهة والحياد القانوني.
هذا الرد الرسمي الضعيف والمهزوز أمام منظمة دولية يضع سلطة بورتسودان تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية المباشرة، ولا يعفيها من الالتزامات الصارمة.
التصعيد الأمريكي.. تحديد غاز “الكلور” كسلاح عسكري محظور
و لم يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي أمام محاولات الالتفاف ؛ إذ قادت الولايات المتحدة الأمريكية حراكاً صارماً داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مستندة إلى تحليل فني مستقل ودقيق، وأكدت السفيرة الأمريكية لدى المنظمة، نيكول شامبين، في تصريح رسمي أن الجيش السوداني استخدم غاز الكلور كعنصر كيميائي محظور خلال عملياته العسكرية في عام 2024، وظل في حالة عدم امتثال تام للاتفاقية الدولية طوال عام 2025.
وتطالب واشنطن وحلفاؤها سلطة بورتسودان بالخضوع الفوري للاستحقاقات الدولية، وفي مقدمتها تقديم إعلان شامل ودقيق للأمانة الفنية للمنظمة حول منشآته العسكرية، ومنح فرق التفتيش الدولية حق الوصول غير المشروط والشفاف لكافة المواقع، مع عدم الاعتداد بأي لجان فنية محلية كبديل للتحقق الدولي المستقل.
حبل العقوبات يلتف حول قادة الجيش
و تُرجم الغضب الدولي من سلوك سلطة بورتسودان إلى حزم عقوبات اقتصادية ودبلوماسية متلاحقة شلت مفاصل المنظومة العسكرية والشركات التابعة لها. وبدأت هذه السلسلة في 22 مايو 2025 بفرض قيود مشددة على الصادرات الأمريكية والوصول إلى خطوط الائتمان الدولية عقب الاتهامات الأولية.
وتلا ذلك تصعيد أوسع في 26 يونيو 2026 بفرض عقوبات مباشرة على ثمانية أفراد وكيانات، شملت شركات تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية بتهمة تزويد الجيش بالأسلحة والمتفجرات والمقاتلين الأجانب. ولم تمضِ سوى يومين حتى فرضت واشنطن في 28 يونيو 2026 حزمة عقوبات ثانية بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، تضمنت معارضة القروض والمساعدات الدولية، وحظر عمل شركات الطيران الحكومية السودانية داخل الولايات المتحدة.
جبهة مدنية سودانية عريضة للملاحقة الجنائية الدولية
و على الصعيد المحلي، أعلنت القوى المدنية المتحدة السودانية «قمم» عن تبنيها استراتيجية تصعيد واسعة النطاق لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
وأكد المتحدث باسم القوى، عثمان عبدالرحمن سليمان، أن الحراك القادم سيرتكز على مسارات حاسمة تشمل تجهيز ملفات قانونية متكاملة لتقديم دعاوى رسمية ضد قادة الجيش أمام المحاكم الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب عبر استخدام أسلحة محرمة دولياً.
كما أشار سليمان إلى تفعيل غرف رصد متخصصة لتوثيق أي أدلة فنية ومادية جديدة تثبت استخدام الكيماوي بدقة متناهية تفادياً لأي تلاعب بالسجلات من قبل السلطة العسكرية. وثمنت القوى المدنية الموقف الصارم للإدارة الأمريكية في اعتمادها على التحليلات الفنية المستقلة، مطالبة المجتمع الدولي بفرض عقوبات أشد قسوة تطال الهرم القيادي العسكري بأكمله وكل من تورط أو تستر على هذه الجرائم.
إن لجوء الجيش السوداني لاستخدام غاز الكلور السام ضد المواطنين، ومحاولة التغطية على ذلك بتقرير بروتوكولي مهلهل، يضعان سلطة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، وسط مؤشرات قوية على قرب فقدان السودان لعضويته في المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية، لتدفع السلطة العسكرية ثمن استهتارها بالالتزامات الإنسانية والدولية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.