السلاح يتغلب على سلطة الدولة.. هل تفقد الخرطوم السيطرة الأمنية وسط تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة؟
تقرير | عين الحقيقة
تشهد ولاية الخرطوم تصاعدًا في المخاوف الأمنية مع تزايد البلاغات عن حوادث نهب مسلح واعتداءات استهدفت مواطنين في عدد من الأحياء، بالتزامن مع جدل واسع أثارته مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت مشادات وتهديدات طالت والي الخرطوم على خلفية قراره منع إقامة فعالية سياسية في العاصمة.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة مؤسسات الدولة على فرض سيادة القانون في ظل انتشار السلاح وتعدد التشكيلات المسلحة، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو مرحلة تتراجع فيها سلطة المؤسسات الرسمية لصالح مراكز نفوذ عسكرية وأمنية متعددة.
تزايد المخاوف الأمنية
وخلال الأسابيع الأخيرة، تداول سكان في الخرطوم روايات عن ارتفاع وتيرة السرقات والاعتداءات المسلحة، خاصة في المناطق التي بدأت تشهد عودة تدريجية للمواطنين بعد أشهر من النزوح بسبب الحرب.
ويرى مراقبون أن هذه الحوادث تعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجه الولاية في ظل انتشار السلاح، وغياب الانتشار الشرطي الكافي، وصعوبة استعادة مؤسسات إنفاذ القانون لقدراتها بعد الدمار الذي خلفته الحرب.
ويقول الباحث في الشؤون الأمنية الدكتور محمد الأمين إن “أي مدينة تخرج من حرب طويلة تواجه عادة ارتفاعًا في معدلات الجريمة، لكن استمرار تعدد حاملي السلاح خارج المنظومة النظامية يجعل استعادة الأمن أكثر تعقيدًا، ويضعف ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم”.
جدل بعد منع فعالية سياسية
وأثارت مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع جدلًا سياسيًا وإعلاميًا، بعدما أظهرت تهديدات واحتجاجات أعقبت قرار والي الخرطوم منع إقامة فعالية سياسية كانت مقررة في “ساحة الحرية”.
ولم يتسنَّ لـ”عين الحقيقة” التحقق بشكل مستقل من جميع الملابسات المحيطة بالمقاطع المتداولة، إلا أن انتشارها أثار موجة واسعة من النقاش حول حدود نفوذ الجماعات المسلحة، ومدى قدرة السلطات المحلية على تنفيذ قراراتها دون ضغوط.
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور صلاح الدين عبد الرحمن أن “جوهر الأزمة لا يتعلق بقرار إداري بعينه، وإنما بالسؤال الأكبر حول من يمتلك سلطة اتخاذ القرار وإنفاذه على الأرض. فكلما ظهرت مؤشرات على تحدي قرارات المؤسسات الرسمية، زادت المخاوف من تآكل هيبة الدولة”.
تعدد القوى المسلحة
ويشير باحثون إلى أن الحرب أدت إلى تعقيد المشهد الأمني عبر بروز تشكيلات مسلحة متعددة، بعضها يعمل ضمن ترتيبات رسمية أو حليفة للقوات النظامية، الأمر الذي يخلق تحديات في ما يتعلق بسلاسل القيادة والمساءلة القانونية.
ويقول الباحث في فض النزاعات الدكتور أحمد عثمان إن “أي عملية انتقال نحو الاستقرار تتطلب حصر استخدام القوة في مؤسسات الدولة، لأن استمرار تعدد الجهات المسلحة، مهما كانت مبررات وجودها، يضاعف مخاطر الاحتكاكات ويؤثر في قدرة الدولة على بسط سيادة القانون”.
المواطن يدفع الثمن
في الأحياء السكنية، تبدو آثار الأزمة أكثر وضوحًا. فمع استمرار الشكاوى من تزايد حوادث النهب والاعتداءات، يعيش كثير من السكان حالة من القلق، خصوصًا مع ضعف الخدمات الأمنية وصعوبة الوصول إلى الحماية القانونية في بعض المناطق.
ويؤكد الخبير الاجتماعي الدكتور عبد المنعم إبراهيم أن “الشعور بانعدام الأمن ينعكس مباشرة على عودة النازحين، وعلى النشاط الاقتصادي، وعلى قدرة المؤسسات الخدمية على استئناف عملها. فالاستقرار الأمني يمثل المدخل الأساسي لأي عملية تعافٍ بعد الحرب”.
تحديات استعادة الدولة
ويرى محللون أن استعادة الأمن في الخرطوم لن تتحقق فقط عبر زيادة الانتشار الأمني، بل تحتاج أيضًا إلى معالجة أوسع تشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، وتعزيز سيادة القانون، وضمان خضوع جميع حاملي السلاح لمرجعية قانونية واحدة.
ويحذر خبراء من أن استمرار حالة الانفلات الأمني قد ينعكس على جهود إعادة الإعمار وعودة السكان، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون وبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات هو استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، باعتباره شرطًا أساسيًا لإعادة الاستقرار، ومنع تحول العاصمة إلى ساحة تتنازع فيها مراكز النفوذ المسلحة على حساب أمن المواطنين وحياة المدنيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.