(المشتركة) في مرمى نيران انقلاب البرهان

نورا عثمان

منذ اندلاع الحرب، لم يكن الصراع داخل المعسكر الذي يقوده الجيش أقل تعقيدًا من المواجهة العسكرية نفسها. فخلف شعارات “وحدة الصف” و”المعركة الوطنية” ظلت معادلة القوة تتغير باستمرار، إلى أن برزت القوات المشتركة للحركات المسلحة باعتبارها الفاعل العسكري الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا داخل معسكر بورتسودان.
هذا التحول خلق واقعًا جديدًا لا يبدو أنه ينسجم مع مشروع الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإعادة احتكار القرارين العسكري والسياسي. فالقوة التي دخلت الحرب بوصفها حليفًا أصبحت تمتلك حضورًا ميدانيًا ونفوذًا سياسيًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
من هنا، يمكن فهم كثير من المؤشرات التي ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة باعتبارها جزءًا من إعادة ترتيب موازين القوى داخل معسكر السلطة، وليس مجرد إجراءات تنظيمية أو أمنية.
فالقوات المشتركة لم تعد مجرد قوة مساندة للجيش، بل أصبحت شريكًا يمتلك قوات على الأرض، وقيادة مستقلة، وحضورًا سياسيًا يستند إلى اتفاق جوبا للسلام، إضافة إلى نفوذ متزايد في إقليم دارفور وبعض المناطق الإستراتيجية. وهذا الواقع يفرض قيودًا على أي محاولة لإعادة إنتاج السلطة المركزية بالشكل الذي كان قائمًا قبل الحرب.
لهذا السبب، يرى عدد من المراقبين أن البرهان قد يسعى إلى تقليص نفوذ هذه القوات عبر الدفع نحو إعادة انتشارها أو إخراجها من المدن التي تسيطر عليها القوات الحكومية، بما يضمن عودة السيطرة الأمنية والإدارية الكاملة إلى الجيش. ومن هذا المنظور، فإن أي حديث عن إعادة انتشار القوات قد لا يكون مجرد خطوة أمنية، بل جزءًا من صراع أوسع على مراكز النفوذ داخل معسكر بورتسودان.
الرهان بالنسبة للبرهان يبدو واضحًا؛ فكل قوة عسكرية مستقلة تمثل مركزًا موازٍ للقرار، وكل شريك يمتلك السلاح والشرعية السياسية يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى منافس على السلطة. ولذلك فإن مشروع إعادة احتكار القوة يظل، في نظر كثير من المحللين، هدفًا أساسيًا لأي قيادة عسكرية تسعى لترسيخ نفوذها.
لكن هذه المعادلة ليست سهلة كما تبدو.
فالقوات المشتركة ليست تشكيلًا طارئًا يمكن حله بقرار إداري، وإنما هي تحالف يضم حركات مسلحة لها قواعد اجتماعية وسياسية، وقيادات تمتلك خبرة طويلة في العمل العسكري، كما أن وجودها يرتبط باتفاقات سياسية معترف بها. وأي محاولة لإضعافها قد تفتح بابًا جديدًا للتوتر داخل المعسكر نفسه.
والأهم من ذلك أن هذه القوات دفعت أثمانًا بشرية وعسكرية كبيرة خلال الحرب، وهو ما يجعلها أقل استعدادًا للقبول بأي ترتيبات تنتهي بتهميشها أو إقصائها من المشهد بعد انتهاء المعارك.
في المقابل، يدرك قادة الحركات المسلحة أن استمرار نفوذهم مرتبط ببقاء قواتهم متماسكة وموجودة على الأرض، وأن الانسحاب من المدن أو تقليص الانتشار دون ضمانات سياسية واضحة قد يضعف موقعهم في أي مفاوضات مقبلة حول شكل الدولة وتقاسم السلطة.
ومن هنا، تبدو العلاقة بين البرهان والقوات المشتركة وكأنها انتقلت من مرحلة الشراكة العسكرية إلى مرحلة التنافس السياسي، حيث يحاول كل طرف تعزيز موقعه استعدادًا لليوم التالي للحرب.

ولا يمكن فصل هذا التنافس عن طبيعة التجربة السودانية، التي ظلت تُظهر أن التحالفات العسكرية تتغير بتغير موازين القوة، وأن الحليف في زمن الحرب قد يصبح الخصم الأول عندما تبدأ معركة السلطة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الخلافات موجودة، وإنما إلى أي مدى يمكن احتواؤها دون أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة داخل المعسكر الواحد.

فإذا مضى البرهان في أي خطوات تُفسَّر على أنها تستهدف تقليص نفوذ القوات المشتركة أو إبعادها عن مراكز التأثير، فقد يفتح ذلك فصلًا جديدًا من الصراع السياسي وربما الأمني داخل مناطق سيطرة الحكومة، وهو سيناريو ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل التحالفات وعلى فرص الوصول إلى تسوية شاملة.
وفي النهاية، تبدو معركة السودان اليوم أكبر من مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع؛ فهي أيضًا صراع على شكل السلطة المقبلة، وعلى من يملك حق احتكار القوة وقيادة الدولة بعد توقف القتال. وفي هذا السياق، أصبحت القوات المشتركة لاعبًا رئيسيًا في معادلة معقدة، بينما يظل مستقبل العلاقة بينها وبين قيادة الجيش أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.