حين تشتد الأزمات، لا تصبح قيمة البيان فيما يعلنه من مواقف فحسب، وإنما في قدرته على أن يغلق أبواب الأسئلة قبل أن يفتحها. فإذا خرج الناس من البيان وهم يحملون أسئلةً أكثر من الإجابات، فثمة مساحة ما زالت تنتظر البيان الحقيقي.
من أشهر ما عُرف عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لم يكن يكتفي بظاهر الكتب التي ترده من ولاته، بل كان يقرؤها بعين الحاكم المسؤول، يستخرج منها ما قيل، ويتأمل ما سكتت عنه، لم يكتفِ بقراءته مرةً واحدة.. كان يقرؤه ثانيةً، ثم يقول لنفسه: ” ماذا أراد أن يقول.” فإذا فرغ من ذلك، عاد إلى الكتاب مرةً ثالثة، وقال: ” ما الذي لم يقله” .. لم يكن الخليفة الراشد يبحث عن التناقض، وإنما كان يعلم أن الرسائل الكبرى لا تُفهم من ظاهر ألفاظها وحدها، بل من سياقها، ومن ترتيب معانيها، ومن المساحات التي تركتها مفتوحةً أمام الفهم.. فالكلمات قد تشرح الموقف، لكن الصمت أحياناً يكشف ما هو أبعد من الكلمات، أما ما يأتي في غير موضعه، فيثير أسئلةً تربك حتى أكثر الروايات تماسكاً.
ولعل هذه هي العدسة التي يستحق أن يُقرأ بها بيان مجلس الأمن والدفاع.. فالصحافة لا تضيف قيمةً حين تعيد نشر البيانات، لأن القارئ يستطيع أن يقرأها بنفسه.. أما دورها الحقيقي فيبدأ عندما تساعده على قراءة ما وراء النص، وتفكيك بنيته، وفهم رسائله، والتوقف عند أسئلته، لأن البيانات السياسية لا تُكتب لتوثيق ما حدث فحسب، وإنما لتشكيل الطريقة التي يُفهم بها ما حدث.
(1)
بعد الفراغ من قراءة البيان، يبرز السؤال الأول: (ماذا قال؟) لقد أعلن أنه ناقش الورقة المطروحة، وتوافق على ردٍ موحد، وأكد تمسكه بثوابت الدولة، كما نفى ما وصفه بالتسريبات. تلك هي خلاصة ما حملته الكلمات.. غير أن البيانات الكبرى لا تُقاس بما تقوله وحده، وإنما بقدرتها على إزالة الغموض.. وهنا يبرز السؤال الذي لا يقل أهمية: (هل خرج القارئ وهو يرى المشهد أوضح مما كان عليه قبل البيان، أم أنه وجد نفسه أمام أسئلة جديدة تبحث عن إجابات؟)
(2)
ويقودنا ذلك إلى سؤالٍ آخر: (ما الذي تركه البيان بلا إجابة؟) .. فالرأي العام لم يكن ينتظر كشف أسرار المداولات، لكنه كان ينتظر ما يكفي لفهم اللحظة.. ما طبيعة الرد الذي توافق عليه المجلس؟ وهل جاء قبولاً، أم تحفظاً، أم تعديلاً؟ وما السياق الذي سبق الوصول إليه؟ تلك ليست أسئلة فضول، وإنما أسئلة يفرضها حجم المرحلة، لأن وضوح المؤسسات في أوقات التحول لا يقل أهميةً عن صواب قراراتها.
(3)
وفي موضعٍ آخر، تتجه الأنظار إلى المساحات التي تركها النص مفتوحةً أمام التأويل .. فالبيان تحدث عن الرد، لكنه لم يُعرّف القارئ بطبيعته، وأشار إلى الورقة، دون أن يوضح ما الذي قُبل منها، وما الذي رُفض، وما الذي ظل محل نقاش.. وحين يترك النص مثل هذه الفراغات، فإن التأويل لا ينشأ لأن الناس مولعون بالظنون، وإنما لأن الفراغ بطبيعته يستدعي من يملؤه.. وكلما اتسعت مساحة الصمت، اتسعت معها مساحة الروايات.
(4)
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر التصاقاً بالمشهد: (ما الأسئلة التي أثارها البيان أكثر مما أجاب عليها؟) .. فإذا كان اللقاء الذي سبق صدور البيان قد استحوذ على اهتمام الرأي العام، فمن الطبيعي أن يتساءل الناس: “هل تناول المجلس تفاصيل ذلك اللقاء؟ ” – وهل ناقش الورقة بنداً بنداً؟ – وهل انتهى إلى موقفٍ نهائي، أم أن الباب ما زال مفتوحاً أمام جولاتٍ أخرى من النقاش؟ .. هذه ليست أسئلة تبحث عن أسرار الدولة، وإنما عن القدر الذي يعين المجتمع على فهم الطريق الذي تمضي فيه بلاده، لأن الغموض في لحظات التحول لا يبدد القلق، بل يوسع دائرته.
(5)
أما أكثر ما استوقفني، فهو أن البيان أفرد مساحةً للحديث عما وصفه بالتسريبات.. وهنا يفرض المنطق سؤاله: (إذا كانت تلك التسريبات لا تستحق الاعتداد بها، فلماذا أصبحت جزءاً من البيان نفسه؟) .. إن الانتقال من تجاهل روايةٍ ما إلى الرد عليها يمنحها حضوراً في المشهد، ويجعلها طرفاً في النقاش العام. ولذلك، فإن القضية هنا لا تتعلق بصحة التسريبات أو بطلانها، بقدر ما تتعلق بطريقة إدارة الخطاب الرسمي، لأن البيانات لا تُقاس بقدرتها على نفي الروايات، وإنما بقدرتها على تقديم رواية واضحة تغني الناس عن البحث عن رواياتٍ أخرى.
(6)
ويظل المحك الحقيقي لكل بيان سؤالاً واحداً: (هل خرج القارئ وهو يعرف أكثر؟) .. فالثقة بين الدولة ومواطنيها لا تنمو بكثرة البيانات، وإنما بوضوحها.. وكلما كانت اللغة قادرةً على تقليص مساحة التأويل، ازدادت قدرة المؤسسات على صناعة اليقين.. أما حين تغادر الكلمات ويبقى الجدل، فإن البيان يكون قد أنجز جزءاً من مهمته، وترك الجزء الآخر للأيام، وللاجتهادات، وللروايات المتنافسة، وهي مساحة كان يمكن تضييقها بمزيد من الإيضاح.
(7)
ولأن السودان يعيش واحدةً من أدق مراحله، فإن حق الناس لا يقف عند سماع البيانات، بل يمتد إلى فهمها.. وليس مطلوباً من المؤسسات أن تكشف ما تقتضيه ضرورات الأمن القومي، لكن من حق المجتمع أن يجد في بياناته ما يعينه على قراءة المشهد، لا أن يضيف إلى المشهد طبقةً جديدةً من الأسئلة.. فالبيانات الكبرى لا تُكتب لإغلاق مؤتمرٍ صحفي، وإنما لبناء الثقة، والثقة لا يصنعها طول النص، وإنما دقة المعنى، ووضوح الرسالة، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الناس.
ما نود قوله هنا:
هو أن السؤال الذي بدأنا به ظل قائماً حتى بعد الفراغ من قراءة البيان: “ما الذي لم يقله بيان الأمن والدفاع؟ .. فقد أعلن البيان أنه ناقش (الورقة المطروحة) .. لكنه لم يبين للرأي العام طبيعة ما دار حولها، ولا حدود النقاش الذي انتهى إليه.. ومن هنا يصبح من حق القارئ أن يتساءل: “هل تناول النقاش القضايا التي ارتبطت بالورقة في التداول العام”، بما في ذلك الهدنة الإنسانية، والتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، والانتقال لسلطة مدنية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي؟ أم أن المجلس ناقش جوانب أخرى لم يتناولها البيان؟
هذه ليست محاولةً لاستكمال ما غاب بالظنون، ولا سعياً إلى كشف ما تقتضيه اعتبارات الأمن القومي، وإنما هي قراءةٌ للنص من داخله.. فالبيانات الرسمية لا تُقرأ بما أعلنته وحده، بل بما تركته مفتوحاً أمام الفهم.. وكلما كانت رسالتها أكثر وضوحاً، ضاقت مساحة التأويل، واتسعت مساحة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ومن هنا تبدأ مهمة الصحافة؛ لا في منافسة المؤسسات على أدوارها، ولا في صناعة روايات موازية، وإنما في مساءلة النص، وقراءة ما بين سطوره، ومساعدة القارئ على فهم المشهد كما هو، لا كما يتخيله.. فالكلمة الصادقة لا تنحاز إلا للحقيقة، ولا ترى في السلام، والحرية، والعدالة، والاستقرار، إلا الغاية التي تستحق أن تُكتب من أجلها المقالات.
الله غالب
ومضة أفق الحرف..
كلما اتسعت مساحة الصمت في البيان.. اتسعت مساحة السؤال في عقل القارئ.
توقيع أفق الحرف:
أفقٌ يترفق باتساعه، ليعيد للنصوص ميزانها، ويمنح الكلمة معناها قبل صداها.. وحيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.