طوق أوروبي حول “معدن الحرب”: كيف يضرب حظر الذهب شريان التمويل العسكري لـ”الإخوان” في السودان؟
تقرير ـ عين الحقيقة
في خطوة تُعد الأبرز لمحاصرة مصادر تمويل النزاع المسلح في السودان، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة استهدفت بشكل مباشر قطاع الذهب السوداني. القرار الذي يحظر استيراد أو نقل الذهب سوداني المنشأ، بالإضافة إلى منع تصدير المواد الكيميائية الحيوية لاستخراجه (كالسيانيد والزئبق)، لا يمثل مجرد عقبة اقتصادية عابرة، بل يضرب في العمق الشبكات المالية المعقدة التابعة لـجماعة الإخوان المسلمين المسيطرة على مفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية.
ومع استمرار الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، تحول الذهب من مورد اقتصادي وطني إلى “وقود حرب” أساسي يُستخدم لتمويل الآلة العسكرية وشراء الولاءات السياسية، وهو ما يسعى القرار الأوروبي الأخير إلى تجفيف منابعه.
إمبراطورية الذهب الإخوانية: كيف تسيطر الحركة على المعدن الأصفر؟
على مدى ثلاثة عقود من حكم نظام عمر البشير، تغلغلت واجهات الحركة الإسلامية (الإخوان) الاقتصادية في مفاصل قطاع التعدين، لتتحول بعد اندلاع الحرب إلى الممول الرئيسي للمجهود العسكري للجيش. وتتمثل آليات هذه السيطرة في عدة محاور ، منها
السيطرة على المؤسسات الرقابية ، اذ يهيمن منسوبو الحركة الإسلامية على الشركة السودانية للموارد المعدنية (الذراع التنظيمي والرقابي لوزارة المعادن)، مما يتيح لهم التحكم الكامل في تصاريح التنقيب، وحساب الرسوم والعوائد بعيداً عن الشفافية المالية لوزارة المالية.
و كذلك احتكار المواد الكيميائية ، حيث باتت شركة “معادن” (Maadin) التابعة للجيش، والتي يديرها تيار محسوب على النظام السابق، المحتكر شبه الوحيد لاستيراد مادة “السيانيد” الخطرة المستخدمة في استخلاص الذهب، مستفيدة من تعطل بقية الشركات الخاصة جراء الحرب.
اما الشركات الحكومية والامتيازات فتخضع شركة “أرياب” (أكبر شركات التعدين الحكومية) لسيطرة القيادات العسكرية الموالية للحركة الإسلامية، حيث تُحول عوائدها مباشرة إلى حسابات مصرفية خارج البلاد لإدارة المشتريات العسكرية.
”الخط المصري” وواجهات التمويل الخفية
وفقاً لمصادر مطلعة في قطاع التعدين ووزارة المعادن السودانية، فإن التقديرات الفعلية لإنتاج الذهب لعام 2024 بلغت حوالي 85 طناً، صُدّر منها نحو 50 طناً (بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار) عبر قنوات غير رسمية تابعة للجيش وواجهاته الإسلامية.
تعتمد الحركة الإسلامية والجيش على شبكة لوجستية معقدة لتهريب وتسييل الذهب، تتركز بشكل أساسي في مصر عبر شركة “الأفريقية”: وهي واجهة اقتصادية يشرف عليها مباشرة مدير منظومة الصناعات الدفاعية، الفريق ميرغني إدريس (أحد أبرز الوجوه العسكرية المحسوبة على التيار الإسلامي)، وتُدار بواسطة رجال أعمال سودانيين مرتبطين بالتنظيم ومقيمين في القاهرة.
وتقوم الشركة ببيع الذهب وتسييله لشراء الطائرات المسيّرة، الأسلحة، والذخائر، فضلاً عن تمويل الحملات الدبلوماسية والإعلامية للجيش. وقد تقاطعت هذه المعلومات مع تصريحات علنية لوزير المالية جبريل إبراهيم، أكد فيها أن الجانب المصري حصل على 48 طناً من الذهب السوداني خلال عام 2024، تزامناً مع إعلان شعبة الذهب المصرية تحقيق صادرات قياسية بلغت 3.2 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025.
كيف يخدم القرار الأوروبي تفكيك شبكة التمويل؟
يستهدف القرار الأوروبي شل حركة هذه الإمبراطورية المالية عبر مسارين متوازيين، اولا خنق الإمداد اللوجستي (السيانيد والزئبق) بما أن التعدين التقليدي يستوعب أكثر من مليوني شخص وينتج 80% من الذهب السوداني، فإن حظر تصدير الزئبق والسيانيد سيعمل على شل قدرة شركة “معادن” (التابعة للجيش) على توفير هذه المواد للمعدّنين. و ايضاً رفع تكلفة الإنتاج بشكل حاد نتيجة الاعتماد على السوق السوداء والتهريب عبر الحدود (مثل الحدود الليبية والنيجر).
بالاضافة الى تقليص كميات الذهب المستخرجة في الولايات الآمنة الواقعة تحت سيطرة الجيش (نهر النيل، الشمالية، والبحر الأحمر).
اما المسار الثاني المتمثل في الحظر التجاري والملاحقة المالية، و رغم أن معظم الذهب السوداني يُهرب إلى أسواق إقليمية، فإن إدراجه في القائمة السوداء الأوروبية يمنع الشركات والبورصات العالمية من التعامل معه. هذا الأمر يفرض ضغوطاً هائلة على الوسطاء والواجهات التجارية التابعة للإخوان في دبي والقاهرة، ويجعل عمليات التسييل محفوفة بالمخاطر القانونية والمالية العالية، مما يضطرهم لبيع الذهب بأسعار أقل بكثير من قيمته السوقية (خصومات تهريب).
الكلفة البيئية والإنسانية: لعنة الذهب تلاحق المدنيين، وبينما تُجير عوائد الذهب لصالح استمرار الحرب وشراء الطائرات المسيرة، يدفع المواطن السوداني الفاتورة الأكبر. فقد أدى الاحتكار العسكري للمواد الكيميائية واستخدامها العشوائي في مناطق التعدين التقليدي إلى كوارث بيئية وصحية مرعبة.
من خلال تلوث التربة والمياه ،و انتشار استخدام السيانيد والزئبق في ولايات نهر النيل والشمالية أدى إلى تسمم المياه الجوفية.
فضلاً عن الارتفاع الجنوني في إصابات السرطان حيث سجلت القرى المحيطة بمناجم التعدين نسب إصابة قياسية بالأورام الخبيثة والتشوهات الخلقية للأجنة.
والنزوح والمجاعة، ووفقاً لتقارير ان تمويل الحرب بعوائد الذهب ساهم بشكل مباشر في تشريد أكثر من 10 ملايين سوداني وتحويل البلاد إلى ساحة لأكبر أزمة إنسانية ومجاعة في العالم.
إذن يمثل القرار الأوروبي الأخير خطوة جادة نحو وضع حد لـ”ذهب الدم” في السودان، ويضع إمبراطورية الإخوان المسلمين الاقتصادية في مواجهة مباشرة مع شح الموارد وصعوبة التسييل. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر يكمن في مدى التزام الشركاء الإقليميين بهذه العقوبات، وقدرتهم على ضبط الحدود لمنع تدفق الذهب المهرب والشركات الواجهة التي تتغذى على دماء السودانيين وثرواهم المنهوبة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.