السودان.. بين ركام الحرب وخطاب الوهم

تقرير: عين الحقيقة

 

 

بينما تقف المنطقة على أعتاب تحولات جيوسياسية كبرى، يجد المواطن السوداني نفسه محاصرًا بين “فكي كماشة”: خطاب سياسي وعسكري يتحدث عن “معركة الكرامة”، وواقع معيشي وأمني يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. في رصد ميداني وتحليلي، تبرز فجوة هائلة بين صور القادة في دول الجوار وهم يفتتحون مشروعات الطاقة، وبين قادة في الداخل السوداني يطلّون من خلف ركام مؤسسات الدولة التي أضحت أثرًا بعد عين.

مفارقة “الخلفية البصرية”: من التوليد إلى التبديد

تداول السودانيون بكثافة صورتين تختصران المشهد الإقليمي؛ الأولى لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وهو يجلس بهدوء خلف سد النهضة، رمز “الكهرباء والتنمية” لبلاده، والثانية للفريق أول عبد الفتاح البرهان وهو يقف أمام مبانٍ مهشمة ومحترقة في الخرطوم.

هذه المقارنة ليست مجرد “لقطة عابرة”، بل هي إدانة بصرية لمنهج إدارة الدولة؛ فالزعماء الذين يبنون شرعيتهم على الإنجاز يظهرون وخلفهم “الإنتاج”، أما من يستندون إلى شرعية القوة، فلا يجدون خلفهم سوى “الخراب” الذي خلّفته الصراعات والانقلابات.

“الكرامة” في الميزان: السلع والخدمات

تحت شعار “الكرامة”، يدفع المواطن السوداني اليوم فواتير باهظة لا تتناسب مع دخله المعدوم:
فاتورة الجوع: مع وصول سعر “4 عيشات” إلى 1000 جنيه، وتجاوز سعر لتر البنزين والجاز عتبة الـ5000 والـ7000 جنيه، أصبح الحصول على الوجبة الأساسية “معركة” يومية تفوق في قسوتها معارك الجبهات.
شلل الخدمات: قطاع الكهرباء الذي يشهد انقطاعًا لعدة أيام متواصلة، والمستشفيات التي تفتقر لأبسط الأدوية المنقذة للحياة، والمدارس التي أصبحت مأوى للنازحين أو أطلالًا مهجورة، كلها شواهد على دولة “الكرامة” التي يروّج لها الإعلام الرسمي، بينما الواقع يقول إن “المهانة” هي العنوان الأبرز لحياة المواطن.

الانفلات الأمني.. “القلع” نهارًا جهارًا

لم يعد الخطر في السودان مقتصرًا على مناطق التماس العسكري، بل انتقل إلى قلب الأحياء والمدن الآمنة. انتشار السلاح “بشرعية أو بدونها” جعل المواطن عرضة للنهب (القلع) تحت تهديد السلاح في أي لحظة. يطرح هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا: أي كرامة تبقى للمواطن إذا كان يخرج من منزله ولا يضمن العودة بهاتفه أو ماله أو حتى حياته؟

تغلغل الفساد: من القمة إلى القاعدة

يشير التقرير إلى أن الفساد لم يعد حالات معزولة، بل أصبح “ثقافة مؤسسية” تنهش جسد الدولة. من العقود الكبرى في أعلى الهرم إلى “جبايات” أصغر كشك تفتيش في الطرقات، يُجبر المواطن على دفع الرشاوى والإتاوات لتسيير أموره، مما يعزّز شعور “اللا دولة” ويجعل القوانين مجرد حبر على ورق يُستخدم فقط لقمع المعارضين.

القيادة.. أثر لا ينكره التاريخ

إن التاريخ لا يرحم؛ فالقادة يُذكرون بما شيّدوا لا بما هدموا. إن استخدام دماء الشباب في “مجزرة القيادة العامة” وما تبعها من حروب عبثية كوقود للاستمرار في السلطة هو قمة “السفاهة السياسية”.
إن السودان اليوم بحاجة إلى “زعماء بناء” يعيدون صياغة مفهوم الكرامة ليكون: كهرباء مستقرة، تعليم متاح، علاج رخيص، وأمن مستتب.. وبدون ذلك، يظل خطاب السلطة مجرد “طلس ملص” يغطي على كوارث لا تنتهي.

الكرامة الحقيقية هي أن تمشي في شوارع الخرطوم آمنًا، وتعود إلى منزلك لتجد الضوء مشتعلاً والخبز متوفرًا، وليس أن يقف القائد على دماء أبنائك ليحدثك عن انتصارات وهمية فوق جثث الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.