الحرب وإعادة رسم السلطة في السودان.. هل عزز البرهان نفوذ الإسلاميين على حساب الانتقال الديمقراطي؟

تقرير: عين الحقيقة

منذ الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021، والتي أنهت الشراكة بين المكونين المدني والعسكري في السلطة الانتقالية، ظل الجدل قائماً حول طبيعة التحالفات السياسية التي تحكم المشهد السوداني، وحول مدى تأثير التيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق على مراكز صناعة القرار داخل الدولة.

مراقبون: قرارات أكتوبر 2021 مثلت نقطة تحول رئيسية في مسار الانتقال السياسي السوداني، إذ أدت إلى إضعاف المؤسسات المدنية التي نشأت بعد الثورة..

ومع استمرار الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، عاد هذا الجدل إلى الواجهة بقوة، مدفوعاً بتحليلات سياسية ترى أن الصراع لم يؤد فقط إلى إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية، بل فتح المجال أيضاً أمام عودة شخصيات وشبكات كانت قد تراجعت عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019.
انقلاب 2021.. نقطة التحول
يرى عدد من الباحثين أن قرارات أكتوبر 2021 مثلت نقطة تحول رئيسية في مسار الانتقال السياسي السوداني، إذ أدت إلى إضعاف المؤسسات المدنية التي نشأت بعد الثورة، وفتحت الباب أمام إعادة تموضع قوى سياسية كانت تواجه عزلة متزايدة.
ويقول الباحث في الشؤون السياسية الدكتور محمد الأمين إن “التحولات التي أعقبت إجراءات أكتوبر لم تكن مجرد تغييرات إدارية أو سياسية، بل أعادت تشكيل مراكز النفوذ داخل الدولة بصورة واضحة”. ويضيف أن عدداً من الكوادر التي ارتبطت بالنظام السابق عادت تدريجياً إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات حكومية وإدارية مختلفة، مستفيدة من الفراغ السياسي والانقسامات التي شهدتها القوى المدنية خلال تلك الفترة.
عودة الدولة القديمة؟
تذهب بعض التحليلات السياسية إلى أن إلغاء أو تجميد عدد من القرارات المرتبطة بتفكيك نظام الثلاثين من يونيو أتاح مساحة أوسع لعودة عناصر محسوبة على النظام السابق إلى مؤسسات الدولة. ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد المنعم أحمد أن “ملف إزالة التمكين ظل أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الثورة، لأن نتائجه كانت مرتبطة مباشرة بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة”. ويضيف أن أي تراجع في هذا الملف انعكس على توازنات السلطة داخل الجهاز الإداري والمؤسسات العامة، ما سمح بعودة شبكات تمتلك خبرات تنظيمية وإدارية واسعة راكمتها خلال عقود من العمل داخل الدولة.

مراقب: هذا الواقع منح القوى المنظمة فرصة أكبر للتأثير في المشهد العام، مقارنة بالقوى المدنية التي واجهت تحديات كبيرة في الحفاظ على حضورها السياسي خلال سنوات الحرب.

الحرب وإعادة تشكيل النفوذ السياسي
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهد المشهد السوداني تحولات جديدة. ويرى مراقبون أن حالة التعبئة العسكرية والأمنية التي رافقت الحرب ساهمت في تراجع حضور القوى المدنية مقابل صعود الفاعلين المرتبطين بالمؤسسات العسكرية والتنظيمات الأكثر تنظيماً. ويقول الباحث في قضايا النزاعات الدكتور مأمون الطيب إن “الحروب الطويلة غالباً ما تعيد ترتيب أولويات الدول والمجتمعات، حيث تتراجع النقاشات المتعلقة بالإصلاح السياسي والديمقراطية لصالح القضايا الأمنية والعسكرية”. ويضيف أن هذا الواقع منح القوى المنظمة فرصة أكبر للتأثير في المشهد العام، مقارنة بالقوى المدنية التي واجهت تحديات كبيرة في الحفاظ على حضورها السياسي خلال سنوات الحرب.
خطاب التعبئة والحشد
يرى محللون أن الخطاب السياسي السائد منذ اندلاع الحرب اعتمد بدرجة كبيرة على مفردات التعبئة الوطنية والعسكرية، وهو ما انعكس على طبيعة النقاش العام داخل البلاد. وتقول الباحثة في شؤون التحول الديمقراطي الدكتورة سارة الطيب إن “الخطابات المرتبطة بالحروب عادة ما تعزز الاستقطاب السياسي، وتقلص المساحات المتاحة للنقاش المدني حول قضايا الإصلاح والانتقال الديمقراطي”. وتضيف أن استمرار الحرب لفترات طويلة يؤدي إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية بصورة تجعل القضايا السياسية والدستورية مؤجلة إلى حين انتهاء الصراع.
علاقة معقدة بين السلطة والإسلاميين
في المقابل، يرفض مؤيدو الجيش الاتهامات التي تتحدث عن وجود تحالف سياسي مباشر بين البرهان والحركة الإسلامية، مؤكدين أن الأولوية الحالية تتمثل في الحفاظ على مؤسسات الدولة ومواجهة التحديات الأمنية. لكن عدداً من المحللين يرون أن نفوذ التيارات الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة بات أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال الخطاب السياسي أو من خلال عودة شخصيات كانت فاعلة خلال عهد النظام السابق إلى مواقع مؤثرة. ويقول الكاتب والمحلل السياسي عثمان إبراهيم إن “السؤال لم يعد يدور فقط حول وجود الإسلاميين أو غيابهم، بل حول حجم تأثيرهم الحقيقي في صناعة القرار السياسي والعسكري خلال المرحلة الحالية”.
تحديات أمام الانتقال الديمقراطي
يرى خبراء أن أي عملية سياسية مستقبلية ستواجه تحديات كبيرة إذا لم تتعامل بوضوح مع مسألة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحديد العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسات العسكرية. ويؤكد الدكتور عبد المنعم أحمد أن “الانتقال الديمقراطي لا يرتبط فقط بوقف الحرب، بل يحتاج أيضاً إلى معالجة قضايا النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة وضمان استقلالها ومهنيتها”. وأضاف أن السودان بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة ويؤسس لمؤسسات تقوم على الكفاءة وسيادة القانون بدلاً من الولاءات السياسية أو التنظيمية.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
في ظل استمرار الحرب وتعثر مسارات التسوية السياسية، تبقى الأسئلة مطروحة حول طبيعة التحالفات التي ستحدد مستقبل السودان بعد انتهاء الصراع. وبينما يرى البعض أن الحرب أسهمت في تعزيز نفوذ قوى كانت قد تراجعت بعد الثورة، يعتقد آخرون أن المشهد ما يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن شكل الدولة السودانية في المستقبل سيعتمد إلى حد كبير على مخرجات أي عملية سياسية قادمة وقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار ومطالب التحول الديمقراطي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.