في خطاب حمل رسائل سياسية تجاوزت حدود التهنئة بعيد الأضحى، كشف قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، في خطوة تبدو محاولة جديدة لإعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية في البلاد.
أبرز ما جاء في خطاب البرهان هو تأكيده أن الحوار سيُعقد داخل السودان بمشاركة «أصحاب الوجعة»، وهي عبارة تحمل دلالات سياسية واضحة تستهدف نزع الشرعية عن المسارات التفاوضية والمؤتمرات..
ورغم أن الدعوة تأتي، في ظاهرها، تحت عنوان «التوافق الوطني» و«استكمال الانتقال المدني الديمقراطي»، فإن مضامين الخطاب تكشف عن جملة من الرسائل السياسية الموجّهة إلى الداخل والخارج معاً، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحوار المرتقب وحدود تأثيره وفرص نجاحه.
أبرز ما جاء في خطاب البرهان هو تأكيده أن الحوار سيُعقد داخل السودان بمشاركة «أصحاب الوجعة»، وهي عبارة تحمل دلالات سياسية واضحة تستهدف نزع الشرعية عن المسارات التفاوضية والمؤتمرات التي انعقدت خلال الفترة الماضية في عواصم إقليمية ودولية. ومن خلال هذا الطرح، يسعى الجيش إلى تكريس رواية مفادها أن مستقبل السودان يجب أن يُصنع داخل حدوده، لا عبر منصات خارجية، خاصة في ظل تعدد المبادرات السياسية التي رعتها أطراف إقليمية ودولية منذ اندلاع الحرب.
ويمثل هذا الموقف امتداداً لسياسة تبنتها القيادة العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، تقوم على رفض أي ترتيبات ترى أنها تمنح القوى الخارجية دوراً مؤثراً في تحديد شكل السلطة أو ملامح التسوية السياسية. وكانت العبارة الأكثر إثارة للانتباه في الخطاب هي تأكيد البرهان أن الدعوة ستُوجَّه إلى القوى الوطنية التي “لم تتورط في انتهاكات بحق الشعب السوداني”.
الخطاب لم يوضح المعايير التي سيتم اعتمادها لتصنيف المشاركين أو استبعادهم..
وهنا يبرز سؤال محوري: من يملك حق تحديد هذه القوى؟ فالخطاب لم يوضح المعايير التي سيتم اعتمادها لتصنيف المشاركين أو استبعادهم، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاوف من أن يتحول الحوار إلى منصة انتقائية تُستبعد منها قوى سياسية ومدنية بعينها تحت مبررات سياسية أو أخلاقية.
كما أن مفهوم «التورط في الانتهاكات» نفسه يظل محل جدل واسع في ظل الاتهامات المتبادلة بين مختلف الأطراف المتصارعة منذ اندلاع الحرب. ويأتي الإعلان عن الحوار في توقيت حساس تشهد فيه البلاد تحولات عسكرية وسياسية متسارعة، حيث يسعى الجيش إلى الانتقال من موقع الفاعل العسكري إلى موقع المبادر سياسياً.
ويبدو أن البرهان يحاول، من خلال هذه الدعوة، إرسال رسالة مفادها أن المؤسسة العسكرية لا تكتفي بإدارة الحرب، بل تمتلك أيضاً تصوراً لإدارة مرحلة ما بعدها. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة المطالبة بإطلاق عملية سياسية تقود إلى سلطة مدنية وتنهي حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها البلاد.
كما أعاد البرهان التأكيد على الالتزام بمسار الانتقال المدني الديمقراطي، وهي عبارة ظلت حاضرة في معظم الخطابات الرسمية منذ عام 2019. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تكرار هذا الالتزام، بل في الكيفية التي سيتم بها تحويله إلى إجراءات عملية تضمن مشاركة واسعة للقوى المدنية واستقلالية العملية السياسية عن النفوذ العسكري.
لذلك فإن نجاح الحوار المرتقب سيُقاس بقدرته على إنتاج ترتيبات انتقالية تحظى بقبول واسع، لا بمجرد انعقاده أو إصدار توصيات سياسية جديدة. ورغم أن الخطاب ركز على الداخل السوداني، فإن جانباً مهماً منه كان موجهاً إلى المجتمعين الإقليمي والدولي. فرفض «الإملاءات الخارجية» والحديث عن الحلول ذات الطابع الأيديولوجي يعكسان رغبة واضحة في التأكيد على استقلال القرار السوداني، كما يحملان رسالة مباشرة إلى القوى الدولية التي ظلت منخرطة في جهود الوساطة والتسوية.
نجاح هذه المبادرة سيظل مرهوناً بالإجابة عن أسئلة لم يقدم الخطاب إجابات واضحة عنها: من سيشارك؟ ومن سيُستبعد؟ وما الضمانات المتاحة؟ وهل سيكون الحوار منصة لتوافق وطني شامل..؟
إلا أن المفارقة تكمن في أن أي عملية سياسية سودانية، مهما بلغت درجة استقلالها، ستظل بحاجة إلى دعم إقليمي ودولي اقتصادي وإنساني وسياسي لضمان نجاحها واستدامتها. وفي جوهره، لا يمكن النظر إلى دعوة البرهان باعتبارها مجرد إعلان عن حوار سياسي، بل باعتبارها محاولة لإعادة تعريف من يملك شرعية التحدث باسم السودان في مرحلة ما بعد الحرب. فالجيش يسعى إلى أن يكون مركز العملية السياسية المقبلة، بينما يطرح مفهوم «الحوار الداخلي» بديلاً للمسارات الخارجية التي يرى أنها لم تحقق اختراقاً حقيقياً في الأزمة.
غير أن نجاح هذه المبادرة سيظل مرهوناً بالإجابة عن أسئلة لم يقدم الخطاب إجابات واضحة عنها: من سيشارك؟ ومن سيُستبعد؟ وما الضمانات المتاحة؟ وهل سيكون الحوار منصة لتوافق وطني شامل أم إطاراً سياسياً يعكس موازين القوى الجديدة التي فرضتها الحرب؟ وبينما يرحب كثيرون بأي خطوة تفتح الباب أمام تسوية سياسية تنهي سنوات النزاع، فإن التجربة السودانية الطويلة مع الحوارات الوطنية تجعل الشارع أكثر ميلاً إلى قياس النتائج بالأفعال لا بالشعارات، وبالمخرجات لا بالخطابات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.