حين يطول الخراب… من يملك شجاعة إيقاف الحرب؟

نورا عثمان

في عامها الرابع، لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى قدر ثقيل يجرّه الناس فوق ظهورهم، كما لو أنهم يسيرون داخل ليلٍ بلا فجر. المدن التي كانت تنبض بالحياة صارت خرائط للرماد، والبيوت التي احتضنت الضحكات تحولت إلى جدران مثقوبة تتذكر أهلها أكثر مما يتذكرونها. هنا، لا يُقاس الزمن بالسنوات، بل بعدد الغائبين، بعدد الذين خرجوا ولم يعودوا، بعدد الأمهات اللواتي تعلّمن فجأة كيف يدفنّ أبناءهن بصمت.

هذه الحرب لم تترك للسودانيين سوى خيارين: النجاة أو الفقد. ملايين النازحين يتنقلون بين المعسكرات كما لو أنهم أوراق اقتلعتها ريحٌ بلا رحمة، يبحثون عن ظلٍ لا يسقط، وعن وطنٍ لا يخذلهم كل صباح. الأطفال الذين كان يجب أن يتعلموا الحروف، يتعلمون الآن أسماء الأسلحة، والنساء اللواتي كنّ ينسجن تفاصيل الحياة، أصبحن ينسجن الصبر من خيوط الألم.

ورغم هذا المشهد المكسور، لا يزال هناك من يُصرّ على مواصلة الحرب، وكأن الدم لم يعد يكفي لإقناعهم بأن الطريق خاطئ. الإخوان المسلمون، الذين خبر السودانيون ثقل تجربتهم في الحكم، يبدون اليوم أكثر تمسكاً بالنار، كأنهم يرون في استمرارها فرصة للعودة، لا مأساة يجب أن تُطفأ. يتحدثون عن معارك ومواقف، بينما يتحدث الشعب عن خبزٍ مفقود، ودواءٍ نادر، وأمانٍ صار حلماً بعيداً.

المفارقة المؤلمة أن من يدفع ثمن هذه الحرب ليس من يقرّرها. القرار يُصاغ في غرف مغلقة، لكن نتائجه تُكتب على أجساد البسطاء. هناك فجوة أخلاقية هائلة بين من يرفع شعارات القتال، ومن يدفن ضحاياه. وبين الاثنين، وطنٌ يُستنزف ببطء، كأنما يُعاقب لأنه حلم يوماً بالاستقرار.

إن الإصرار على استمرار الحرب لم يعد موقفاً سياسياً يمكن تبريره، بل صار فعلاً منفصلاً عن أي معنى إنساني. لا يمكن بناء دولة فوق أنقاض شعبها، ولا يمكن الحديث عن مستقبل بينما الحاضر يُحرق بالكامل. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى شجاعة مختلفة… شجاعة الاعتراف بالفشل، وشجاعة التراجع من أجل إنقاذ ما تبقى.

ربما السؤال الأكثر قسوة الآن ليس: من سينتصر؟ بل: ماذا سيتبقى بعد كل هذا؟ وهل سيجد السودانيون وطناً يعودون إليه، أم مجرد ذكرى بعيدة لبلدٍ كان هنا يوماً؟

في نهاية الأمر، الحرب لا تنتصر… هي فقط تترك الجميع خاسرين، وتغادر. لكن الذي يبقى هو هذا الفراغ الكبير في أرواح الناس، وهذا الصمت الثقيل الذي يشبه الوطن حين يُكسر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.