ذكرى مذبحة سركاب 15 أبريل

إسماعيل عبدالله

شباب غض الإهاب لبى نداء الجندية.

كيف لا والعروق تجري فيها دماء الفروسية أباً عن جد، تماماَ مثلما سألنا عمنا المساعد المتقاعد من الخدمة الطويلة الممتازة بالجيش عن دافعه لدخول “الديش” فقال لنا كان معجباً بعمه أحد أجدادنا “الدياشة” القدامى عندما يعود في اجازته السنوية، وكيف كان يضع البوريه على رأسه بطريقته المميزة الجميلة. الجندية عند الجنيديين عشق سرمدي معطون في الدم والنخاع الشوكي. وحينما تنصب خيمة التجنبد أمام بوابة الفرقة السادسة عشر سابقاً الأولى حالياً يتدافع اليها أبناء البادية زرافات ووحدانا. والذي لم يجد حظه من التسجيل تغطي وجهه سحابة الكآبة التي لا تزول الا بعد اعلان موسم التجنيد التالي. قوم جبلوا على حب القتال وخوض غمار الوغى. لا يوقفهم في سبيل هذا الحلم بكاء أم ولا توسلات زوجة ولا أنين أخت. جاؤوا بأوامر الدولة الى معسكر سركاب محمولون على طائرة الجيش الكبيرة الأنتنونوف أو الهيركلز التي يعرفها سكان مدن نيالا والجنينة والفاشر لصوتها الهادر وحجمها الضخم. كانت حلم الشباب العاشق لامتشاق البندقية. اذا بعث هؤلاء الشباب اليوم من مرقدهم وسردوا لهم كيف أن نفس الجيش قد أرسل عليهم طائرة لكن من طراز آخر مزقت احشائهم صبيحة يوم 15 أبريل لن يصدقوا، وسيوصمون صاحب الرواية بأنه الأكذب من أكذولة أبريل. لكن لو قدر لهم النجاة وحضروا المعارك في نفس اليوم بمعسكرات طيبة والمدينة الرياضية لدهشوا وصعقوا كما صعق رفاقهم. إنّه الجيش الذي يقتل نفسه. كم ذاد هؤلاء الأشاوس والنمور الضارية عن حياض الوطن كما فعل أسلافهم الذين اعترف بشجاعتهم العدو قبل الصديق.

لقد أبلوا بلاء حسنا في جميع الملاحم التي تلت تلك المجزرة البشعة بحق رفاقهم. خاضوها بلهيبها الأحمر الوهاج من الخرطوم الى الجزيرة الى شرق النيل مروراً بالجيلي والحجار الكريمة معقل مهندس الخيبة الكبرى ورائد حرب الساعات الأربع ومسقط رؤوس قادة الجيش القابعين بأنفاق القيادة لمدة ربع سنة، وديار مهندسي العدوان الاخواني على خلاصة شباب الوطن الصادقين حماة الكعبة. ارتدت عليهم سهام الخزي والعار والانتكاسات المتتالية والفشل العسكري والسياسي والاخلاقي بعد أن صوبوا أسلحتهم المميتة باتجاه سكان البوادي والحواضر التي أتى منها الأشاوس. فلو كان هنالك قصاص رباني وعقاب إلهي على مرتكبي مذبحة سركاب فهو موت كباتن طائرات الموت حرقاً في السماء قبل سقوط طائراتهم الخربة هذه على سطح أرض الوطن الطاهرة التي تأبى أن تدنس بقذارة الأجساد الخاطئة المشبعة بلحم ودم الأبرياء. كما أن العاقبة الخائبة والخاتمة السيئة دائماً من نصيب المسترخصين لدماء الأبرياء. فبعد مجزرة سركاب رأينا غضب الرب قد حاق بهم في سلسلة من الفقد والأسر على أيدي رفاق شهداء جبل سركاب. فقد تم رسنهم كالهوام وهم يصرخون مثل النعاج. لقد أذلهم الله لما ارتكبوه من خطيئة اهتزت لها جبال كرري وتبرم لها شهداء كرري الأوائل أجداد شهداء 15 أبريل في قبورهم. فهؤلاء الأشبال من أصلاب أولئك الأسود. لا يهابون الموت بل يسعون إليه من أجل عزة الوطن وصون العرض. أين ذلك الطيّار السفّاح الذي سوّلت له نفسه أن يقود طائرته بأوامر الحاخام الأكبر مهندس خطيئة الحرب؟ هل ما زال يأكل الطعام بمطاعم بورتسودان ويمشي في أسواقها دون أن تطاله يد العدالة؟ وأين ذلك الناشط المناصر للعدوان على الأشاوس وهم نيام في معسكرهم، وهو يقود سيارته الفارهة صبيحة نفس اليوم يحرض المواطنين القاطنين بالقرب من المعسكر على نهب أغراض وممتلكات المجندين ويستحوذ هو على هواتفهم الذكية؟ هذا المجرم يجب أن تطاله يد العدالة، هذا اذا لم تستطل روحه وتعرض لانتقام رفاق الشهداء. غصّة يوم الغدر لن تزول عنا اذا لم يتم القصاص من قتلة الشهداء والمحرضين على قتلهم وناهبي ممتلكاتهم الشخصية.

يوم 15 أبريل هو يوم الكرامة المهدرة. كرامة آلاف الشهداء وملايين الأقارب والعشائر الذين يرتبطون دماً ولحماً بالضحايا. خطيئة معسكر سركاب طعنة نجلاء في خاصرة مجتمعاتنا وهي علامة فاصلة بيننا وبين الدولة القديمة. ولن تكون الأمور بيننا وبينها كما كانت في سابق العهود المظلمة. فسركاب هي تجديد للتضحيات التي قدمها أجدادنا لتحرير الدولة قبل أكثر من قرن. فكان رد جميلهم حفنة أغنيات سميت بالوطنية وصفت سيوفهم بأسياف العشر، والعشر نبات رخو العود لا يقوى على مقاومة الرياح الهوجاء. كلا ثم لا، لم يكن من أنجب الأشاوس بذلك الوصف الرخو والتافه. لقد قدم الأحفاد درساً بعد قرن من الملحمة الأولى أثبتوا فيه أن سيفهم يفل الحديد، وقد شاهدهم القاصي والداني وشهد لهم لا عليهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.