تتكشف، يوماً بعد يوم، ملامح الجريمة الكبرى التي يرتكبها عبدالفتاح البرهان بحق الدولة السودانية.

عبدالمنعم سليمان

إذ لم يعد خافياً أن الرجل، ومعه جنرالات المختبر الإخواني في بورتسودان، قد حسموا أمرهم ببيع ما تبقى من سيادة البلاد في السوق الإيراني، في صفقة لا تعكس سوى انحدار غير مسبوق في مفهوم الدولة الوطنية.
إن واقعة توقيف الوسيطة الإيرانية في مطار لوس أنجلوس، عند دخولها الولايات المتحدة أمس، بعد انخراطها في تمرير شحنات الموت الإيرانية من مسيّرات وقنابل إلى جيش البرهان، الخاضع لتوجيهات الحركة الإسلامية (الإخوان)، ليست سوى شاهد إضافي على تشكّل محور مريب يجمع بين أيديولوجيا “ولاية الفقيه” التوسعية وضيق أفق تنظيم الإخوان، الذي يرى في دمار السودان بكل ما يحمله من قتل وتجويع وتشريد وسيلة وحيدة للعودة إلى كراسي الحكم.
لقد سقطت الأقنعة، وتهاوت الادعاءات؛ إذ تحوّل الجيش السوداني، تحت وطأة هيمنة تيار الإسلام السياسي وكتائبه المسلحة، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك” المصنفة كمنظمة إرهابية، من مؤسسة وطنية يُفترض أن تصون البلاد إلى واجهة تمنح الشرعية لميليشيات مؤدلجة، تتلقى تدريبها وتوجيهها من الحرس الثوري الإيراني، في مشهد يُلخص اختطاف الدولة من داخلها.
وما هذا الارتماء في الحضن الإيراني إلا استدعاء لسنوات التيه التي عاشها السودان تحت الحكم الإخواني السابق، حين غدت البلاد منصة لتصدير التطرف، غير أن النسخة الراهنة تبدو أكثر فجاجة ودموية؛ إذ تُقايض طهران السلاح بنفوذ جيوسياسي على ساحل البحر الأحمر، مستغلةً تعطّش الإخوان للسلطة، ولو على حساب دماء السودانيين ومستقبلهم.
إن مسيّرات “مهاجر” و”أبابيل”، وذخائر طهران التي تنساب إلى يد الجيش السوداني، لا تُستخدم لحسم معركة أو استعادة استقرار، بل تُضخّ بوصفها وقوداً أيديولوجياً لإطالة أمد الحرب، وتقويض أي أفق لقيام دولة مدنية، بما يحوّل الصراع إلى حلقة مفرغة من العنف المستدام.
هذا التحالف بين الملالي والإخوان يقدّم برهاناً صارخاً على أن الخطر الحقيقي الذي يتهدد السودان لا يقف عند حدود صراع داخلي، بل يتمثل في هذا التلاقي بين مشروعين عابرين للحدود، لا يعترفان بالدولة الوطنية، بل يخضعان لأجندات أيديولوجية؛ فكيف لجيش يدّعي الوطنية أن يعمل تحت إمرة نظام مارق وكتائب مصنفة إرهابية على المستوى الدولي؟
إن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم: فالسودان، المختطف من قبل تحالف ملالي طهران وإخوان بورتسودان، يتحول تدريجياً إلى ثقب أسود يهدد ليس فقط وحدته، بل أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم برمّته.
إن استمرار هذا الدعم العسكري الإيراني المنهجي لا يعني سوى دفع بورتسودان لتغدو نسخة أخرى من صنعاء على ضفاف البحر الأحمر، حيث تُختزل الدولة في ميليشيات، وتُختطف الإرادة الوطنية لصالح مشاريع لا تعترف إلا بلغة السلاح والتكفير.
قلناها من قبل ونعيدها الآن: ما يجري في السودان ليس مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هو، في جوهره، اختراق إخواني مسنود بأدوات إيرانية، يستدعي تحركاً دولياً جاداً لاحتوائه، قبل أن يتحول السودان إلى بؤرة كبرى للإرهاب العابر للحدود، تحت رعاية محور لا ينتج سوى الموت والدمار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.