(وهذه هي النتيجة: سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الضغط عبر برلين لتتحرك الدول الإقليمية في اتجاه التفاوض.)
طيف أول
أيها الليل يا ابن الظلال،
لا تصرخ في وجه الشمس،
لا تمنحها حق تمزيقك،
احفظ بقايا بُحتك
وزيارة سريعة خاطفة إلى المملكة العربية السعودية قام بها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، و الغرض الأساسي لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. قالت الأخبار إنهما ناقشا العلاقات الثنائية، وأمن البحر الأحمر، ومستجدات الأزمة السودانية.
لكن توقيت الزيارة جاء مباشرة بعد مؤتمر برلين الذي ركّز على دعم المدنيين والضغط القانوني على أطراف الحرب، وهو الأمر الذي يضع البرهان في موقف يحتاج فيه إلى حلفاء إقليميين لموازنة الضغط الدولي.
والدور المحوري للرياض هو أن المسار السعودي (جدة) مسار وساطة، وزيارة البرهان محاولة لإعادة تنشيط هذا المسار، وهو ما يؤكد أن البرهان يبحث عن ساحة تفاوض تقيه الغضب الأوروبي.
وعقب مؤتمر برلين تحدثنا أن حلفاء البرهان سيزعجهم صوت المحاسبة الذي كان مرتفعاً في المؤتمر، وأن وجود المفوض السامي لم يكن صدفة. لذلك فإن التحركات الإقليمية تُعد ردة فعل طبيعية بعد تلقي الرسائل السياسية لمؤتمر برلين الذي شدد على محاسبة مجرمي الحرب. ولا شك أن محاسبة الأطراف المتحاربة، سيما قيادة الجيش، تشكل قلقاً كبيراً للرياض التي ترى أن ذلك قد يهدد الاستقرار الإقليمي.
لذلك ليس أمام الرياض سوى أن تخلق حالة توازن دولي، وتمسك بيد البرهان وتظهره متعاوناً مع المجتمع الدولي.
و قصدت الرياض أن تقدم له هذا الدعم السياسي باعتبارها واحدة من القوى الإقليمية، حتى لو كان هذا الدعم مشروطاً أو محدوداً، المهم أنها تلوّح دولياً لتشير إلى قدرتها على إعادة البرهان إلى طاولة التفاوض بدلاً من عقابه.
وبرلين كان يوم 15 أبريل، وفي يوم 20 أبريل 2026 نشرت رويترز أن باكستان أوقفت صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار مع السودان بعد أن طلبت السعودية إلغاءها ورفضت تمويلها. وأشارت بعض المصادر إلى أن دولاً غربية نصحت الرياض بالابتعاد عن الحروب بالوكالة في أفريقيا.
ومؤتمر برلين بلا شك وضع الجيش السوداني تحت ضغط شديد عندما صمم على رفض إشراك أطراف الحرب، الأمر الذي جعلها متساوية في النظرة الدولية، ولم يكتف بذلك بل طالب بمحاسبتهما معاً. وهذا خلق حاجة ملحة للبرهان للبحث عن “ظهر” إقليمي.
وبرلين وجدة التقت اهتماماتهما في أكثر من نقطة، فالتركيز على الاستقرار الإقليمي لخّصه مؤتمر برلين الذي تحدث عن انعكاسات الأزمة السودانية على أوروبا وأفريقيا (الهجرة، الأمن)، وجدة من قبل ركزت على البحر الأحمر وأمن المنطقة. وكلاهما ينطلق من فكرة أن السودان ليس أزمة داخلية فقط بل قضية إقليمية ودولية، لذلك فإن كل خطوة تُقدَّم في مساحة الحل سيكون لها تأثيرها الإقليمي تلقائياً سلباً أو إيجاباً.
وكذلك المسار الإنساني الذي يُعتبر أساس القضية في برلين، فالسعودية بدورها قد تحاول أن تظهر كداعم إنساني بما قدمته من مساعدات في المنطقة عامة وفي السودان، بالإضافة إلى دورها كوسيط، ما يجعل الخطين متكاملين في إبراز البعد الإنساني للأزمة.
أما إعادة فتح قنوات التفاوض، فبرلين التي أقصت الحكومة والجيش من المشاركة المباشرة وطالبت بمحاسبة الأطراف، خلقت ديناميكية جديدة دفعت البرهان إلى الرياض لاستعادة مكانته في التفاوض بمنبر جدة ليقول: “يمكن أن نكون جزءاً من معادلة الحل”.
لذلك، وبلا شك، فإن برلين أوجدت أرضية دفعت الأطراف ذات العلاقة بالأزمة نحو تحركات إقليمية. وزيارة مسعد بولس إلى مصر تزامناً مع زيارة البرهان إلى جدة توضح أن هناك حراكاً متواصلاً بين المسار الخليجي (جدة) والمسار الدولي (برلين)، مع إدخال مصر كحلقة وصل بين الاثنين، وهو مؤشر واضح يكشف أن القوى الإقليمية في حالة سباق وتدارك للموقف الأوروبي.
واشنطن موافقة على الضغط الأوروبي باعتباره عصاها التي تهش بها، لكنها رأت أن المؤتمر كان حاداً في طرحه إذ تمسك بالعزل والمحاسبة، الأمر الذي يحرجها مع دول الإقليم التي هي جزء من الرباعية وحليفة للبرهان.
لذلك خلاصة القول إن زيارة مسعد لمصر والبرهان للرياض تصبّان في مصلحة التفاوض والبحث عن سلام، لأنهما تعكسان إدراك الأطراف الإقليمية والدولية أن الضغط يمكن تلافيه بفتح قنوات سياسية موازية. وهذه النتيجة سعت الولايات المتحدة الأمريكية للحصول عليها؛ فبعد أن رفعت العصا عبر برلين حرصت على تجديد مساعي التفاوض عبر جدة. فهل ينجح حلفاء البرهان والرياض في حثه على قبول التفاوض، أم أن الدول الأوروبية تحتاج إلى إثبات نيتها أكثر بفرض عقوبات في الأيام القادمة!!.
طيف أخير
والملحقية الثقافية لسفارة السودان بالقاهرة اعلنت قبل أيام أنها قامت باتخاذ ترتيبات استثنائية لإجراء امتحانات الشهادة الثانوية لعدد من الطلاب السودانيين المحتجزين داخل السجون المصرية، وذلك لضمان حقهم في التعليم وعدم ضياع مستقبلهم الأكاديمي.
لم أجد أسوأ من هذا الخبر الذي يعبر عن عجز وفشل الحكومة الكيزانية؛ فبدلاً من العمل على إطلاق سراحهم وعودتهم إلى بلادهم عبر أي نوع من التفاهمات مع الحكومة المصرية، تفتخر الحكومة بضعفها وتجاهر به… ألا تستحون!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.