في وقتٍ يعيش فيه ملايين السودانيين بين لاجئ ونازح، طفت على السطح في مدينة بورتسودان، التي اتخذها حلفاء الحرب مقرًا لهم، أزمة من نوع آخر؛ أبطالها مسؤولون حكوميون وصحفيون، ومحورها اتهامات ثقيلة بالفساد المالي، واستغلال النفوذ، وتصفية الحسابات السياسية.
وخلال الساعات الماضية، تحولت أروقة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان إلى ساحة لـ”حرب بالوكالة”، تُستخدم فيها التسريبات الإعلامية والوثائق كذخيرة بين أجنحة متصارعة داخل دوائر صنع القرار، بما يكشف عن هشاشة الوضع وعدم تماسك السلطة هناك.
بدأت الأزمة بتسريبات فجّرها الصحفي عطاف عبدالوهاب، استهدفت وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية ومديرها محمد طاهر عمر. وتركزت الاتهامات حول محورين: صفقة أراضٍ سيادية يُقال إنها تمنح الصين 56% من مناجم يورانيوم مقابل 44% للسودان، في مخالفة للقانون، إضافة إلى عجز مالي قدره 400 مليون جنيه، وفق تقرير المراجع العام. وتصاعدت المطالبات بإقالة المدير، وسط أنباء عن تحقيقات قد تطال مسؤولين بارزين.
في المقابل، قادت الصحفية رشان أوشي هجومًا مضادًا، نشرت خلاله وثائق قالت إنها تثبت طلب عطاف دعمًا ماليًا شخصيًا من الشركة. واعتبرت ذلك “ابتزازًا”، بينما نفى عطاف صحة المستندات، واصفًا إياها بالمزوّرة، ومتوعدًا باللجوء إلى القضاء.
يرى مراقبون أن التراشق الإعلامي يعكس صراعًا أعمق داخل دوائر السلطة، وسط انقسام يُدار عبر مراكز نفوذ متباينة. كما تعكس الأزمة واقعًا مأزومًا للوسط الصحفي، الذي تشتت بفعل الحرب، وأصبح بعضه أداة في صراعات السلطة. وتطرح هذه التطورات تساؤلات خطيرة حول إدارة الموارد في زمن الحرب، بينما يدفع المواطن السوداني، المثقل بالنزوح والجوع، ثمن صراعات النفوذ والمال.
وفي خضم هذه الفوضى، لم تعد المعركة من أجل الوطن، بل من أجل النفوذ والثروة، تُدار بملفات مسرّبة وصفقات مشبوهة على حساب شعبٍ أنهكته الحرب. ما يجري في بورتسودان ليس مجرد خلافات داخل السلطة، بل مؤشر خطير على انهيار منظومة الحكم وتغوّل مراكز القوى، حيث تُنهب الموارد وتُدار الدولة بمنطق الصفقات لا المسؤولية.
وبين صمتٍ رسمي وتبادل اتهامات، يبقى السؤال: من يُحاسب من؟ ومن يوقف هذا العبث قبل أن يدفع السودان ثمنًا أفدح؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.