تناقضات “قوى إعلان المبادئ”… ائتلاف يطعن نفسه قبل أن يبدأ

عبدالله محمد ادم - كمبالا

في مشهد يزيد المشهد السوداني تعقيداً، خرج علينا البيان الختامي للاجتماع الثاني لقوى إعلان المبادئ السوداني، حاملاً من التناقضات ما يجعله نموذجاً لكيفية صناعة الفشل بأيدٍ وطنية، مموَّل ربما بأيدٍ أجنبية، فبدلاً من أن يقدم المؤتمر إضافة حقيقية لجهود وقف الحرب ،حسب توقعات الكثيرين، انخرط في لعبة المواقف الفضفاضة والاتهامات الجزئية التي تخفي أكثر مما تُظهر.
أولاً:يُشخِّص البيان بوضوح (مطلوب) أن نظام المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية هما من أشعل حرب 15 أبريل، لكنه يُغفل – بتعمٍّ أو بجهل – السؤال الأهم: كيف بدأت الحرب بالضبط؟ في رأيي، الحرب بدأتها الحركة الإسلامية بالتعاون مع الجيش، بمهاجمة قوات الدعم السريع في المدينة الرياضية، أي أن الدعم السريع لم يشن هجوماً استباقياً، بل وجد نفسه مستهدفاً في مواقعه، مما أعطاه ذريعة الدفاع عن النفس التي يرددها حتى اليوم،والمؤتمر هنا لا يذكر إن كان الدعم السريع قد رفض أي دعوة سلام، أو أعلن نية تقسيم السودان، أو رفض التحالف مع قوى سياسية وعسكرية عريضة من اجل الوحدة و السلام هذا الصمت المطبق على هذه التفاصيل الجوهرية يفضح النوايا، إما أن المؤتمر يخاف من استفزاز طرف الحرب الذي لا يريد نقدَه (ربما تحاشياً لإحراج الجيش)، أو أنه يرى في الحرب مجرد جريمة دون أطراف تم الاعتداء عليها و هي تدافع عن نفسها ا
ثانياً: عبدالواحد محمد نور… الرافض للبرامج الجاهزة و الذي يصنع برنامجاً جاهزاً و يدعوهم للالتحاق:
من أطرف التناقضات وأكثرها إحراجاً أن حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، التي اشتهرت على مدى سنوات برفضها أي دعوة للمشاركة في برامج أعدت سابقاً أو ترتيبات سياسية لا تأتي من خلال رؤيتها هي في مشاركة اصيلة، تجدنا اليوم نراها شريكاً مؤسساً في تحالف يعلن عن وثائق استراتيجية جاهزة، و ميثاق معد سلفاً، و”خارطة طريق” محكمة التفاصيل، ثم يفتح باب الانضمام للآخرين عبر… استمارات!
نعم، استمارات، نفس الأسلوب الذي كان ينتقده عبدالواحد في غيره عندما يُطلب منه الانضمام إلى تحالفات أو برامج سياسية قائمة. فإذا كان دائماً يردد أنه لا يمكنه المشاركة في ترتيبات لم يشارك في وضع أسسها، فكيف يطلب اليوم من القوى المدنية و الديمقراطية أن تملأ استمارات وتنتظر قرار “لجنة المتابعة” التي وُضعت معاييرها دون رأي هذه القوى؟ أليس هذا عين التناقض الذي يفضح أن النخب السودانية، حتى أشدها انتقاداً للتهميش، تقع في نفس فخ “نحن نعرف الأفضل للجميع”؟
ثالثاً: جبهة مدنية واسعة… باستثناء من لا يرضونه؟
يدعو البيان بـ”فريضة عين” لبناء “جبهة مدنية واسعة لمناهضة الحرب”، ثم يكتشف المراغب أن هذه الجبهة لا ترحب بأي مجموعة مسلحة باستثناء حركة عبدالواحد. إنه تكرار نفس الخطأ الذي تنتقده حركة عبدالواحد – أي احتكار القرار وتقديم نفسك كـ”بيت مفتوح” ثم وضع شروط الانضمام خلف أبواب خلفية – ليس مجرد تناقض، بل هو نسخة كربونية من أمراض التحالفات السودانية التي أجهضت كل محاولة سلام سابقة.
رابعاً: سودانية الحل… وعقده في نيروبي وعلى حساب من؟
يرفع المؤتمر شعار “إرادة سودانية خالصة”، ثم يعقد اجتماعه الثاني في نيروبي، دون أن يستبعد البعض أن يكون ممولاً من جهة أجنبية (منظمة أم دولة). ولو كان المجتمعون حريصين على المصداقية، لماذا لم يعقدوا مؤتمرهم في كاودا بجنوب كردفان، أو في أحد معسكرات اللجوء على حدود تشاد او حتي في اماكن سيطرة حركة عبدالواحد في دارفور؟ الجواب القاسي: لأن الحل “السوداني الخالص” ربما يكون شعار للاستهلاك الدبلوماسي، بينما تظل القرارات تصنع في صالونات خارجية بعيدة عن صوت المدافع ولهاث النازحين و بكاء الاطفال، (صالون مخصص لاعضاء نادي السياسة السوداني)
خامساً: خطة بلا ضمانات… وجيش حركة تحرير السودان هو الحل العسكري الوحيد:
ربما ،أجاز المؤتمر وثائق استراتيجية و خارطة طريق، و عملية سياسية تفصيلية، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في الإجابة على سؤال عملي حاسم يدور في اذهان الكثيرين: إذا نجحت هذه الخطة، كيف ستؤمِّن الانتقال من طرف الحرب المسلح (الحركة الإسلامية وجيشها) إلى الدولة المدنية المأمولة؟ هل سيعتمد التحالف الجديد على جيش عبدالواحد محمد نور فقط؟ وإذا كان كذلك، فكيف سيختلف هذا عن أي ترتيب أمني عسكري في أي تحالف سابق؟ ولماذا هذا الصمت المريب عن بقية المليشيات والجيوش التي يجب أن تذوب في جيش وطني واحد؟
خاتمة: مؤتمر منافس لا مكمِّل
يدّعي البيان أنه ليس “نادياً مغلقاً”، لكنه بمنطق الاستثناءات والاستمارات وإصدار الأحكام باسم الشعب دون تمثيل حقيقي له، يقدم نفسه بوضوح كمنافس لتحالفات أخرى مثل تاسيس، وليس مكملاً لجهود حقيقية لإنهاء الحرب، وهذا ليس مؤشراً على ولادة جديد، بل هو إعلان ميلاد “خلية حوار” جديدة تبحث لها عن دور في مشهد مليء بالخلافات، بينما يظل السؤال الأكبر دون إجابة، فهل يريد هؤلاء حقاً إطفاء الحرب، أم توثيق حضورهم في مفاوضاتها؟
ليس المطلوب تحالفاً جديداً،بل المطلوب موقف صادق وجريء، لا يصادر تاريخ الحرب باسم وطن جديد، ولا يغض الطرف عن اهمية دور الدعم السريع و تحالف تاسيس بحجة محاولة تجنب إدانة الإسلاميين له، موقف لا يرفع شعارات استضافة السلام وهو يعقد صفقاته بعيداً عن اللهب، ولا يدّعي الانفتاح وهو يوزع استمارات الانضمام بيد ويمنعها بالأخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.